Turkish Arabic
 
2021-02-12   Arkad‏‎na gِnder
270 (135)


بهاء الدين سيويملى وقطار الذكريات والعطاء


محمد هاشم الصالحي

.
رغم تلكم السنين الطوال ورغم المشاقات التي صادفتنا وتسلط السلطة الحاكمة، إلاّ أن بعض الذكريات الجميلة التي حفرت مكانها في جدران العقل وعاشت في سويداء القلب ترفض الرحيل وتأبى الإندثار.
في بدايات سبعينات القرن الماضي كنا نشاهد في التلفاز منولوجاً بالأبيض والأسود وفي الفترة التركمانية تحديداً والبالغة ساعة واحدة فقط. المنولوج هذا كان غنائياً تمثيلياً يعكس شيئاً من الفلكلور التركماني. الغناء كان بصوت المطرب والممثل الكوميدي عمر محمود بدور الرجل الذي يحاكي إمرأة إسمها (فاطمة خان).
كان الحوار تمثيلياً بينها وكنا نشاهد هذا المنولوج بلهفة عند عرضه عبر شاشة التلفزيون. الحقيقة رغم كون العمل بدائياً وبسيطاً ويعرض بدون الوان، إلاّ أننا كنا نتفاعل مع المشهد كما نتفاعل اليوم مع أي فلم هوليودي استخدمت فيه كافة الأساليب والتقنيات الحديثة، أو كما يشد شباب اليوم إلى العاب البوبجي وغيرها من الألعاب والتي تربطهم بجهاز الهواتف الذكية لساعات وساعات.
أمي رحمها الله قالت لي ذات مرة أن الشخصية التي تؤدي دور (فاطمة خان) هو رجل وليست إمرأة. يا إلهي كيف لرجل أن يؤدي دور إمرأة؟ الأمر فيه الكثير من الغرابة بالنسبة لي ولغيري ايضاً. هذا الأمر كان من أكثر الأمور التي جعلت المنولوج هذا يبسط إنتشاره بين العوام ومن ضمنهم أنا بالطبع رغم عمري الصغير آنذاك.
مرت السنون وانصرفت الأيام حتى انخرطت أنا أيضاً عام 1990 في تشكيلة فرقة نادي الثورة الرياضي حيث كنت عازفا لالة الساز. هناك تعرفت على الكثيرين من الذين سبقوني في العمل الفني ومنهم شخص قيل أنه (فاطمة خان).
رجل هادئ لا يزيد في الكلام، يصب جل إهتمامه في أداء الأدوار المناطة إليه في هذه الفرقة الفنية. كان مدربا لفريق الدبكات الشعبية وتارة كان يؤدي أدواراً تناط إليه في المسرح. كان يكبرنا سناً وكنا نسمع منه حكايات هذه الفرقة التي كانت قد تشكلت قبل ما يقارب العشرون عاماً وتجاربه فيها.
إنه الفنان المحبوب (بهاء الدين سيويملى) الذي جسد دور (فاطمة خان) والذي عمل طوال عقود من الزمن يخدم فن شعبه دون أن يسمع له أنين لما كانت تعترضهم من صعوبات ومخاطر من الحكومات في سبيل إعتراض سبيل الأعمال التركمانية وإحتوائها. إستمر في تقديم خدماته دون أي مقابل يذكر حتى بلغ من الكبر عتياً. كنا قد شاركنا معه في مهرجانات دولية عديدة كمهرجان بابل الدولي حيث كنا ضمن فرقة نادي الثورة الرياضي علم 1992. كان لي فرصة العمل معه عندما قام بتجسيد أحد الادوار التي أسندت إليه في مسرحية كويوموز (قريتنا) التي كتبتها عام 1997 والتي قدمت عام 1999 في مسارح مدينة كركوك.
بعد هذا العمر الطويل على خشبة المسرح والشاشات، التقيته في محله البسيط في مدينة كركوك يوم 2 شباط 2021. محل صغير يبع فيه بعض الحلويات والسكائر ومنها يؤمن قوته وقوت عائلته. رغم التجاعيد التي تركها الزمان على وجنتيه، إلاً أن ابتسامته المعهودة لا زالت ترافقه وما زال يحتفظ بروحه السمحة. فرح جدا لزيارتي واعرب عن سروره بلقائي ورحب بي ترحيباً حاراً وسارع للقيام بواجب الضيافة. في البدء سرح فينا الخيال إلى الماضي الذي عشناه معاً قبل ثلاثين عاماً والشخصيات الفنية التي عاصرناها. تطرقنا إلى أسماء منهم من رحلوا عن الدنيا الفانية ومنهم من هو حي يرزق. سير وذكريات كثيرة تناولناها ونحن نتبادل اطراف الحديث.
عرف بين العوام باسمه الفني (بهاء الدين سيويملي) واسمه الكامل (بهاء الدين مصطفى نعمت داود) المولود في مدينة كركوك وتحديداً في محلة جقور عام 1950. نشأ في عائلة متواضعة حيث كان والده بقالاً يعمل في محل قرب قيصرية كركوك بجانب جامع ناقشلى منارة. درس الإبتدائية وتتلمذ خلال دراسته المتوسطة على يد الخطاط المرحوم محمد عزت كركوكلي حتى ترك الدراسة في الصف الثالث المتوسط. التحق بالخدمة العسكرية عام 1969 وتسرح من الجيش عام 1971. بحث عن عمل حتى تم تعيينه عام 1974 مأموراً في بدالة ناحية دبس التابعة لمدينة كركوك. وبعد ستة أشهر نقل إلى مدينة كركوك ليبدأ العمل في دائرة الإتصالات والذي كان موقعه في منطقة المجيدية مدخل السوق العصري دائرة البريد اليوم. عمل في هذه الدائرة حتى أحيل على التقاعد في سنة 2014.
تزوج عام 1993 بعمر متقدم بسبب الظروف الصعبة التي كانت تحيط بالبلاد نتيجة الحروب المتتالية وأدائه للخدمة العسكرية. رزقه الله بنتان وولد اسماه اوزجان.
الحياة الفنية:
البداية كانت مع المسرح المدرسي. حيث شارك في المسرحيات المدرسية وعمل مع المخرج المسرحي الكبير المرحوم أنور محمد رمضان وكانت أول مسرحية شارك فيها هي مسرحية (يوليوس قيصر). ثم شارك بدور الحاجب في مسرحية (حلم معن بن زائدة).
بعدها التحق بفرقة نادي الثورة الرياضي عام 1971 والتحق بفرقة الدبكات الفلكلورية. هناك حيث كان الاستاذ يلماز بك اوغلو والاستاذ عرفان دايلة والراحل احمد اوطراقجى وغائب حيدر وزين العابدين كوبرولو وبتشجيع منهم كان يؤدي مع الفرقة دور الكورس ويقف خلف المطربين. كما كان يشارك باداء التمثيليات المسرحية ضمن نفس الفرقة.
شارك مع نادي الثورة الرياضي في العديد من المسرحيات منها مسرحية (او يونباز عزا) ومسرحية (املاء) ومسرحية (وقت واريكن).
كما شارك العروض مع الفرق العربية وقدم مسرحيات على مسارح مختلفة منها مسرح الخلد ومسرح قاعة الشعب ومسرح نادي الإخاء التركماني في العاصمة بغداد.
وضمن نادي الثورة الرياضي أيضاً شارك في تسجيل العديد من الأغاني الفلكلورية والابريتات التي سجلت للتلفزيون بالأبيض والاسود مثل (خرمان هواسى) والذي كان من الحان الموسيقار جلال صودجى.
شارك في الحفلات التي أقيمت على مسرح الهلال الأحمر في مدينة كركوك. كما شارك في إحياء العديد من العروض الفلكلورية في أربيل والموصل.
دعماً لقابليته الفنية ولتطويرها وصقلها تم إيفاده من قبل إتحاد العمال في كركوك للمشاركة في الدورة المسرحية المقامة في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد عام 1986. هناك تلقى دروساً أكاديمية من أساتذة مختصين ومنهم الأستاذ بهنام ميخائيل. حيث تخرج من الدورة بتقدير جيد جداً.
بعد أن توقفت الأعمال في فرقة نادي الثورة الرياضي بسبب المضايقات الحكومية، بدأ بهاء الدين سيويملى بالمشاركة في الأعمال المسرحية. حيث لعب دوراً في مسرحية (مجالا) عام 1991 من تأليف صلاح نورس وإخراج نهايت جلالي وعواد جاسم. ومسرحية (ايكو) عام 1992 من تأليف نصرت مردان وإخراج المرحوم جعفر موسى.
ثم شارك عام 1999 في دور جمعة مجنون القرية بمسرحية (كويوموز) من تأليف محمد هاشم الصالحي وإخراج المرحوم محمد قوشجو.
قصة تمثيل دور (فاطمة خان)
الدور الذي إشتهر به بهاء الدين سيويملى كان في المنلوج الذي تطرقت إليه أعلاه. سألته عن سبب أدائه لهذا الدور النسوي فقال أن قصة المنلوج كان قد كتبها الشاعر الراحل أحمد اوطراقجي وتم تكليف فتاة لأداء الدور. إلاّ أنها قد إعتذرت عن الحضور قبل التسجيل بساعات قليلة مما أربك كادر العمل والتصوير. يقول سيويملى أن الفنان الأستاذ يلماز بك اوغلو قد كلفني بالقيام بهذا الدور لإنقاذ الموقف فقمت بذلك. رجع بهاء الدين سيويملى الى البيت بعد التصوير وبعد ازالة المكياج من الوجه ولم يخبر أحداً قط بقيامه بدور امرأة. بقي الأمر طي الكتمان حتى أن جاءت بنات خالته الى بيتهم ضيوفاً بعد أربعة أيام. وعند دخول بهاء الدين إلى البيت نادته إحدى بنات خالته قائلة (اهلا بك يا فاطمة خان). عندها تساءلت شقيقته عن سر هذه الأمر حتى أخبروها بأن بهاء الدين قد جسد دور (فاطمة خان) في هذه العمل الفني. يقول بهاء الدين أنا رفضت الإدعاء ولم اعترف لهم بأنني أنا من قام بالدور حتى بدأت شقيقتي بمراقبة التلفاز بغية التعرف عليّ من خلال ملامحي التي كنت أخفيها بالمكياج. حتى تعرفت الأخت على أن أخاها هو الذي قام بهذا الدور، حيث قالت أنني تعرفت عليك من خلال نظراتك.
لصغر المجتمع آنذاك والتحفظ الكبير وعدم الانفتاح تلقى بهاء الدين سيويملى إنتقادات لاذعة لقيامه بهذا الدور. يقول حتى أصبح بعض المثقفين أيضاً ينادونني بـ(فاطمة خان).
هكذا انتهت الصحبة مع هذا الفنان الهادئ والمنسي. هذا الانسان الذي لم يتوانى للحظة في تقديم كل ما من شأنه ان يرتقي بثقافة شعبه. أسأل الله أن يمده بالصحة والعافية وراحة البال. انه نعم المولى ونعم النصير.


Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  محمد هاشم الصالحي

1 - ثقافة المقاطعة وثقافة التذمر
2 - السجل العمومي لـرائد الصحافة التركمانية (احمد مدني قدسي زاده)
3 - وطن جاهز
4 - الحسنات لوجه الله ام لعبد الله
5 - تفاؤل
6 - بلاســـتيك معــــاد
7 - الورقة تتكلم
8 - التركمان من الثقافة إلى السياسة
9 - عطالــة
10 - قانون الإنتخابات وإنتخابات نيابية سنوية
11 - ايســف
12 - الحسب أم النسب في خدمة القضية
13 - قبل وبعد المنصب
14 - في حيينا جامعان
15 - ساري العبد الله
16 - حيــاة متقـــاعد
17 - دعـــاء
18 - لمطلوب إثبــاته
19 - تـدرج وظيـفي
20 - الخـير يخـص والشـر يعـم
21 - وزيــر تركمــاني
22 - خارج اسوار المقبرة
23 - العـم مهـدي عسـكر
24 - بعض الظن
25 - متين عبد الله وحكاياته المدرسية
26 - بنزين عـادي بنزين محــسن
27 - الـوطن للرئيــس ولأبنــاء الرئيــس
28 - من كان يعــبد محــمداً..
29 - نفــط العــرب للعــرب
30 - انتحــار ســـياسي
>>التالي >>