1. Skip to Menu
  2. Skip to Content
  3. Skip to Footer
: 2018-09-21
Facebook Twitter Youtube

أيلول وشذى الأرض ...

اصدارات تركمانية: كتاب "قوم  يدعون التركمان" لمؤلفه "حبيب الهرمزي"

جمهور كركوكلي

في كُلِّ عامٍ وبعدَ أن يشرفُ الصيفُ على الرحيل ، أنتظرُ شهرَ أيلول بلهفةٍ وترقّب ، وأنتظرأولَ هطولِ المطر كي أنعم بشذى الأرض وهي تنتشي بقطراتِ الماء في باكورةِ لقائِهما، بعد طول انتظارٍ وشوق.
حين تُلقي السُحُب خيراتها على أديمِ الأرض إيذاناً باقترابِ موسم ِالخير والخِصب والنَماء ، تتشكل صورٌ من أجمل الصور الطبيعية ، تبقى راسخةً في الذاكرة ، بتتابعِ نُظمها كتتابعِ العِقد المنظوم ، فتحّرر شذراتُ التربة المبللة بقطراتِ المطر عِطراً لا يدانيه أيّ عِطر ، وتنحني أمامه أرقى ماركات العطور الفرنسية ، فلا ( انگل ) ولا ( غوتشي ) ولا (روشان مان ) باستطاعتها أن تصل الى عتبةِ تلك الرائحة الزكيّة المُنعشة ، أو تضاهيها وتنافسها .كيف لا ؟ فهذه الماركات هي نَتاج عملِ الانسان ، وهي مزيجٌ من روائح بنِسبٍ معلومة ومحسوبة ، يقدّرها صانعوها ، أما تلك ، فأنها من صُنع القدرةِ الإلهية ، التي أتقنتْ صُنعَ كلّ شيءٍ ، بالتمام والكمال، مِن غير زيادةٍ او نقص .
كمْ من مرةٍ عشتُ أيام شهرِ أيلول بعيداً عن أرضِ كركوك ، وشهِدتُ اوّل هطول المطر هناك ، لكنني لم أنتعشُ هناك ، كما انتعشُ هنا ، في كلِ باكورةِ غيثٍ وأول قطرات المطر ، فالترابُ هنا ، غير التراب ِفي الأماكن الأخرى ، وشذى رائحة المطر هنا ، غير شذى المطرِ هناك. هنا الأرضُ أرضي ، والتربةُ تربتي ، فيها رميمُ عِظام اجدادي الاولين ، وفيها مواطئ اقدامِ اهلي وأحبّتي وبني قومي ، هنا تختلط شذرات التربة بِضوْع ِدماء الشهداء ، فتصوغانِ عِطراً ، هو كالبلسمِ للجرح وكالماء للأرض الميتة . لذلك فأن الشاعر أبن رشيق القيرواني كان محقاً حين تسآل شعراً عن سببِ جعلِ أديم الأرض مُصّلى فقال :
سالتُ الأرضَ لِمَ كانت مُصّلى .... ولِمَ كانت لنا طهراً وطيباً
فقالت غير ناطقةٍ لانّي .... حُويتُ لكلِ إنسانٍ حبيباً ...
وفي المُقابل يطلبُ الشاعر أبو العلاء المعري ، من الماشينَ على أديم الأرض أنْ يُحسنوا المَشي الهُوينا ، رفقاً وإحتراماً بأجسادِ الإباء والاجداد التي تحويها بطنُ الأرض فيقول:
أبَكَت تلكم الحمامة أم غنّت على فرع غصنها الميّاد
صاح هذي قبورنا تملأ الرُحبَ فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
وقبيح بنا وإن قدُم العهد هوان الآباء والأجداد
سر إن اسطعت في الهواء رويداً لااختيالاً على رفات العباد ..
أمّا شاعرُ الخورياتِ التركماني فقد علّل سببَ الرائحةِ الزكية التي تحملها ترابُ مدينتهِ كركوك ، فيقول : أنَّ ريحاً هبّتْ مِن الجنان ، وأستوطنتْ في أديمها:
أسته كركوكوم استه
نه استه سه و .. باش استه
جننته ن .. بير يه ل .. ئه ستي
دوشتو طورباغيو ... ئوسته ..
. وأخيراً أسالُ الله تعالى أن لا يُحرمني كلَّ عام ، مِن التلذذ برائحةِ أرضِ كركوك وهي تستقبلُ قطرات الغيثِ في أواخر شهر أيلول ، فتضوعُ عِطراً لا يُدانيه عِطرٌ آخر...!

جمهور كركوكلي (56)...

العلم التركماني في سماء امريكا

..
Eklemek iin bura tiklayn

counter