1. Skip to Menu
  2. Skip to Content
  3. Skip to Footer
: 2018-05-22
Facebook Twitter Youtube

ايــام الحصـــار

الصالحي يتوعد بمقاضاة  مجلس المفوضين ، قانونيا ..

محمد هاشم الصالحي

عوقب الشعب العراقي امميا نتيجة دخول الجيش الى الكويت. لا اريد التطرق الى الاسباب والمسببات فما اريد الحديث عنه هو الحاصل من العقوبات التي المت الشعب العراقي ونالت منه دون ان يكون له ذنب في قرار اتخذه النظام الذي ظلم الشعب العراقي قبل اي احد اخر. واريد التطرق الى بعض التداعيات التي نشبت من جراء هذا الدخول غير الدروس.

بموجب القرار الاممي هذا دخل العراق تحت طائلة البند السابع، منع العراق من الاستيراد ومن البيع ومن التعاملات الدولية. الامر الذي جر الشعب العراقي الى ويلات لم يكن يتصورها من قبل. تدهورت الحالة الاقتصادية للبلاد واصبح الدينار العراقي عملة نكرة امام الدولار الامريكي، حتى بلغ قيمة الدولار الواحد يساوي 3 الاف دينار عراقي واكثر. التضخم في الاقتصاد العراقي بلغ حدا لا يمكن تخمينه، عندها عمدت الدولة على طبع واستنساخ العملة العراقية على اوراق عادية ملونه وطرحها في السوق وتحت متناول المواطنين. هذه العملة التي لا غطاء لها في العالم ولا يمكن التعامل بها في اي مكان خارج العراق وحتى في شمال العراق الذي احتفظ في العملات العراقية السويسرية الطبع.

الراتب الشهري للموظف هو 3000 دينار عراقي لا غير، اي ما يعادل دولارا واحد فقط، جعلت الامور صعبة جدا وموظفو الدولة يعانون الامرين وخاصة كبار السن من المتقاعدين. لا يعرف احدهم كيف يدير امور بيته بدولار او دولارين في الشهر الواحد. لذا فقد توجه الكثير منهم الى السوق للعمل في اية صنعة من الممكن ان يؤمن لهم دخلا يتمكنون من خلاله تحمل مصاريف عوائلهم. معلمون ومدرسون اصبحوا يبيعون السكائر في الطرقات ومهندسين يعملون كسواق تكسي مستخدمين سياراتهم المدنية. ظهرت اعمال عجيبة لم نكن نسمع عنها من قبل مثل خياطة الاطارات المستهلكة للسيارات وصب البطاريات وتبديل المحلول وبيع السكائر بالمفرد وكذلك ازدهر عمل الخفاف الذي كان الجميع يقصده لخياطة الاجزاء المتأكلة من الحذاء وترقيعه. اول مرة سمعت بمهنة الرّواف والذي كان يقوم بخياطة الاجزاء المتأكلة من الملابس ومن خيوط قطعة القماش نفسه لعدم تمكن الفرد من شراء البنطلون او القميص الجديد.

الامر كان صعبا لا يمكن تصوره ونحن الذين عشنا تلك الفترة من تسعينات القرن الماضي لا يمكن ان ننساه ابد. حيث كنت اشاهد رجالا من ابناء العوائل الراقية المعروفة في المدينة لا يتمكنون من شراء اللحم وكانوا يطلبون من الجزار العظام فقط دون اللحم، حيث ان سعر الكيلو الواحد من اللحم هو 2500 دينار وراتب الموظف هو 3000 دينار. اساتذة ومثقفين كبار لم يكونوا قادرين على صعود الباص ليصلوا الى البيت وكانوا يمشون مسافات طويلة على الاقدام. ولا اخفي عليكم قصة احد المعلمين في مدرسة ابتدائية بكركوك الذي كان يأخذ من طعام الطلبة الصغار جزءا ليأكله. وبعد كثرة التشكي من اولياء الامور اعترف هذا المعلم بانه لا يتمكن من الفطور ويترك ذلك لأبنائه في البيت ويأخذ شيئا من كل تلميذ ليسد بذلك رمقه الى ان يشاء الله.

وبعد ان طال هذا الحصار على الشعب العراقي، بدأت العوائل لا تجد شيئا لبيعه والاستفادة من ثمنه حتى قاموا ببيع ابواب الغرف في بيوتهم. العائلة تجتمع في غرفة واحدة وتبيع ابواب الغرف الاخرى لتتمكن من شراء الغذاء والدواء لتستمر الحياة. ليس هذا فحسب بل كانت البيوت تهدم لغرض استخراج الشيش المستخدم في صب السقوف. اصبحت البيوت فارغة لا تحتوي على شيء والعوائل تبيع حاجة تلو الاخرى لتصمت امام الجوع القاتل. ازدهرت اسواق البالة، اي الملابس القديمة المستعملة التي تأتي الينا كتبرعات من دول اوربا والغرب. يعطفون علينا بملابس رثة وحاجيات مستعملة مكسورة لنشتريها ونستخدمها قدر الامكان.

كنا نشرب شئيا سائلا بنكهة البيسي و الكوكا كولا او السفن اب. حيث بدأت الناس بتركيب نكهات من مواد عطارية يشترونها من العطار لتعطي نكهة البيبسي او الكوكا كولا مضافا اليه الغاز ليكون بذلك كالبيبسي الاصلي وكنا نشربه بـ 50 دينارا. هذا المشروب كان يباع في عربات صنعت خصيصا لهذا الغرض يديرها شخص يعرف اسرار تركيب المواد والتي يخرجها في المحصلة بطعم البيبسي والكوكا كولا والسفن اب.

كل العوائل كانت تربي الدجاج في فناء البيوت او السطوح لتحصل على البيض الذي انقرض من السوق ولا احد يقدر على شرائه. انتشر التنور الحديدي واصبح في كل بيت تنور، حيث ان العوائل تخبز الخبز لعدم قدرتهم على شرائه من الافران.

الويل كل الويل للعوائل التي تصل ابنائها الى مرحلة الدراسة الجامعية. حيث الابن او البنت ستذهب الى مدينة اخرى من اجل الالتحاق بالجامعة والمصاريف الضخمة المترتبة على هذا السفر. كنت اشاهد شخصا وهو يحمل في يده سطلا بلاستيكيا. حيث كان هذا الشخص موظفا في شركة نفط الشمال وبعد انتهاء ساعات العمل كان يخرج الى القرى القريبة من مكان عمله ليشتري منهم البيض ويضعه في هذا السطل البلاستيكي ويتجول في السوق حتى ساعات متأخرة ليبيع ما يبيعه من البيض ويرجع الى اهله بقطعة خبز. سالته ذات مرة ان عملك الحكومي يبدأ منذ الساعات الباكرة للصباح وحتى ساعات العصر لتتوجه بعد ذلك الى المشي لبيع البيض. فقال لي ان ولدي يدرس في جامعة الموصل وهو بحاجة الى المال وبعملي هذا اؤمن له شيئا من احتياجاته.

قصص مروعة سمعتها وعشتها وانا اشاهد الناس يتدورون جوعا في تلك الحقبة الزمنية. لا حيلة لهم والكل قد ترك الى القدر الظالم الذي لم يرحم احدا. ولا اعرج على المرض والمصيبة التي كانت تحل بالإنسان اذا تمرض في زمن الحصار.

كنت طالبا جامعيا في تلك الحقبة الحقيرة من تاريخ العراق. مشاهد عجيبة كنت اشاهدها بين الطلبة الساكنين في الاقسام الداخلية وظروف صعبة لا اتمكن من ايجازها بأسطر. السفر الى الجامعة كان يتطلب ايجاد باص قبل اسبوع والاتفاق مع السائق. العودة كذلك كانت امرا ليس من السهل ابدا وكنا نحمد الله ان وجدنا رقعة في الممر الداخلي للسيارة لنعود الى البيت وقوفا في سفر قد يستغرق اكثر من ثلاث ساعات. حال الطلبة كانت مزرية ولم يكن بقدورنا شراء اي شيء من السوق. حتى الخبز كنا نأتي به من البيت مجففا كي لا يصاب بالعفن وناكله لمدة اسبوع وحتى العودة الى البيت. بعد كل هذا العناء والشقاء ونحن ننتظر العطلة الصيفة كي نتخلص من هذه الحياة التافهة كانت السيارات العسكرية بانتظارنا لنساق الى معسكرات التدريب العسكري في لهيب صيف محرق. مشاهد ومناظر وصور من الممكن ان تكون موضوعا لأفلام سينمائية وكتب روائية ونصوص مسرحية.

ولم ينتهي الامر بزوال الحصار والتخلص من النظام، فقد بدأت صفحات اخرى قد تكون اكثر شئما في حياة العراقيين. وليس لهذا المواطن الا ان يشكي الى الله عز وجل ضعفه وقلة حيلته وهوانه على الامم.

محمد هاشم الصالحي (79)...

العلم التركماني في سماء امريكا

..
Eklemek iin bura tiklayn

counter