Turkish Arabic
 
2016-04-06   Arkad‏‎na gِnder
2003 (879)


العلامة الراحل عطا ترزى باشى الانسان الزاهد في محراب الادب


محمد هاشم الصالحي

فكرت مليا في كيفية كتابة اسطر عن مفكر لامع اغنى المكتبة العراقية عامة والتركمانية خاصة بعطائه الفريد. احترت في لغة الكتابة, هل اكتبه بالتركية اللغة الام ام بالعربية. فرجحت العربية لان امتي تعرف الكثير عن ابنها البار المعطاء وقد عاش بينهم واثرى تاريخهم وفولكلورهم بنتاجات ستخلد الى ابد الابدين.
ليس لدي ادنى شك بان العشرات سوف يكتبون عن عطا ترزى باشى. لأنه ترك فيهم اثرا بالغا, بل في نفوس امة بأكملها. اعلم ان الغالبية سيكتبون عن ادبه واثاره وما قدمه, واين ومتى ولد واين ومتى توفاه الله . لذا اثرت ان اتطرق الى شيء من انسانيته والذي لمسته فيه من خلال معرفتي به وتتبعي لأثاره.
كان المفكر والكاتب الاستاذ عطا ترزى باشى انسانا من الطراز الخاص يعمل بكل صمت ليترك الكلام لأعماله, لم يولي اي اهتمام للدنيا الفانية وزينتها. جند نفسه لخدمة الشعب بقلمه وابحاثه, كان يكتب ويبحث من اجل الموضوع وفحواه ولم يكن يطلب في ذلك الحصول على الشهرة او المال او اي مطلب من مطالب الدنيا. ابدع بالعطاء من اجل تقديم الخدمة لشعبه وثقافة امته, لم يكن نماما او ثرثارا, كان محبا لكل ما يكتب وابدع بالوفاء لمحبوبه.
نتاجه كان غنيا بالفحوى مليئا بالحقائق والوقائع. كان ملما بالعمل الادبي واسلوبه وموفقا في اختيار المادة حريص لان تكون المادة غير متناولة من قبل, ويجد فيها المادة الدسمة التي تظهر مفاتن ادب امته. لذا كان موفقا في كل اعماله لان الهدف سامي والنية صافية والنفس سمحة.
في الاعوام 1999-2000م كنت معدا ومقدما لبرنامج المجلة الفولكلورية في القسم التركماني لإذاعة بغداد. وبطبيعة الحال فإنني اتناول في برنامجي المصادر التي تحوي على فولكلور التركمان والاعتماد عليها في اعداد المادة الاذاعية. كنت اتناول كتب ومقالات الكاتب الراحل المرحوم شاكر صابر الضابط الذي تناول الكثير في هذا الخصوص, وكذلك الاعتماد على ما كتبه لنا العلامة عطا ترزى باشى. جاءني الاستاذ ترزى باشى في مكتبي قرب بناية محكمة كركوك كالعادة حيث كان يتردد عليَ وعلى بعض الاصدقاء من الذين يهتمون بالأدب والكتابة لغرض تشجيعهم على الاستمرار والعطاء. سألني ذات مرة فيما إذا كنت انا الذي اقدم البرنامج الفولكلوري الاذاعي من القسم التركماني لإذاعة بغداد, فجابته بالإيجاب. قال انت تذكر اسمي وتشير اليَ في فقرات برنامجك. فقلت هذا الامر واجب لان المواضيع التي اطرحها استمدها من كتاباتكم الثرية. فبارك لي بذلك واجازني لاستخدام اي معلومة من كتبه او منشوراته بشرط عدم ذكر اسمه.
تعجَبت للغاية, فانه قد كدَ وتعب لحين ان جمع مع جمع من هذه المعلومات وجعلها في متناول أيدينا نحن الباحثين في هذا المجال وجعل كل شيء ميسورا لنا, لم يطلب مني اي شيء بل طلب مني عدم الاشارة اليه فقط. انه يعمل كالجندي المجهول الذي لا يهدف الاَ الى تقديم الخدمة لامته من اجل الامة فحسب لا لشيء اخر على الاطلاق. انه كرم الباري ومن نعمه أن خلق لنا من يكتب عنا ويعرَفنا بأنفسنا قبل ان يعرَِف غيرنا بنا.
هذا بعكس كل ما معمول به في الشارع الادبي والفني هذا اليوم, حيث التكلف والتباهي بمواد بسيطة رخيصة لا تستحق حتى هدر الوقت لقرأته. ليست كالأعمال التي تطرح لمجرد ان يكون وسيلة لإبراز وخدمة اسم من انتجها وما انزل الله به من سلطان. ترزى باشى مختلف تماما وما رأت عيني مثله في الانسانية الا اشخاص معدودين يرمون الى خدمة الكلمة اولا واخيرا دون اي تكلف.
كان المرحوم العلامة ترزى باشى يطبع اثاره العلمية بنفسه رغم تقدم سنه. كان يحرص على كل حرف ينشر له بان لا تكون مغلوطة, ولا يعترف بشيء اسمه الغلطة المطبعية. كان يعامل المقال كما يعامل الانسان حبيبته. كان يجهد في سرد المواضيع وعرض الفكرة. كان لا يتردد في سحب اي مقال يتعرض الى غلط او سهو في النشر ولا يتردد في بيان انزعاجه من الناشر. كان قويم الاخلاق مضيافا للجميع, يستقبل في بيته المتواضع كل من يزوره صغيرا او كبير. كان يكتب لشعبه ولامته, لذا فانه لا ينشر في اي مكان وكيفما يكون على الاطلاق. كان يختار المجلة او المؤسسة الاعلامية التي تنشر له ولا يسمح لأية جهة مهما كانت المغريات ان تنشر كلمة واحدة منسوبة له الا ان تكون مؤسسة من رحم الامة ومعروفة الاهداف والغايات. فالغاية الاسمى له الخدمة والوصول الى الحقائق وليس الكسب والشهرة.
حين مرضه تدخلت الحكومة التركية لنقله للعلاج وعلى النفقة الحكومية. لكن عطا ترزى باشى ليس كأي انسان. رفض بالطبع وقال جملته التي ترن في اذني دائما (الفقراء والمساكين اولى مني بالرعاية الحكومية). نعم انه عطا ترزى باشى الزاهد في محراب العلم والادب, ليس له ان يفضل نفسه على الاخرين من اصحاب الحاجة من ابناء امته. انه يفكر بأبناء شعبنه في اصعب مراحل حياته كما كان وكما عرفناه وعرفته الامة. تسامت نفسه في كل المراحل, لم ينحني قط الا لله ولم يرضخ وليس للمغريات عنده اية معنى.
نفس طيبة طيب المسك انشغلت بالعلم والعطاء وهجرت كل ما يشوه عليها لذة العمل. نفس ما انشغلت بالأهواء قط, دأبت على المزيد من النتاج لتحفر في ذاكرة التاريخ اسما لامعا لا يمكن مغادرته, انه عطا ترزى باشى, عنوان الطاقة التي لا تفنى.



Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  محمد هاشم الصالحي

1 - وصــيّة
2 - التعليم أيام أمي
3 - الأستاذ أكرم حموش ذاك المدير القاسي
4 - ماذا لو كنت وزيراً؟
5 - ثقافة المقاطعة وثقافة التذمر
6 - السجل العمومي لـرائد الصحافة التركمانية (احمد مدني قدسي زاده)
7 - بهاء الدين سيويملى وقطار الذكريات والعطاء
8 - وطن جاهز
9 - الحسنات لوجه الله ام لعبد الله
10 - تفاؤل
11 - بلاســـتيك معــــاد
12 - الورقة تتكلم
13 - التركمان من الثقافة إلى السياسة
14 - عطالــة
15 - قانون الإنتخابات وإنتخابات نيابية سنوية
16 - ايســف
17 - الحسب أم النسب في خدمة القضية
18 - قبل وبعد المنصب
19 - في حيينا جامعان
20 - ساري العبد الله
21 - حيــاة متقـــاعد
22 - دعـــاء
23 - لمطلوب إثبــاته
24 - تـدرج وظيـفي
25 - الخـير يخـص والشـر يعـم
26 - وزيــر تركمــاني
27 - خارج اسوار المقبرة
28 - العـم مهـدي عسـكر
29 - بعض الظن
30 - متين عبد الله وحكاياته المدرسية
>>التالي >>