Turkish Arabic
 
2016-03-01   Arkad‏‎na gِnder
2416 (1133)


كاد المعلم أن يكون رسولا... إذا صان الأمانة.


محمد هاشم الصالحي


منذ أن بدأت عقولنا بفهم الأدب قرأنا بيتا شعريا لأمير الشعراء احمد شوقي يقول فيه:
قم للمعلم وفَِه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا
الأمر الذي لا يختلف عليه اثنين فان المعلم يؤدي دورا مهما جدا في بناء المجتمع. فهو كالمضغة التي في الصدور, إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله. فإذا كان المعلم صالحا فان المجتمع صالح دون محال والعكس لا محال صحيح أيضا.
الطالب الفتي مادة خام بيد المعلم, فبإمكانه أن يصنع منه ما يريد. من الممكن أن يطور ما فيه من قابليات, ومن الممكن أن يخمد كل طاقاته ويفشلها. فالمعلم رسول فعلا ومنه يستزاد الطالب الناشئ, حتى أن الطالب يعتبر المعلم قدوته فكل ما يقوله المعلم هو الصائب.
لذا فان المهنة خطرة جدا وحساسة وفيها مسؤولية كبيرة. قد ينعكس إلى الضد إذا ما ساء الاستخدام ولم يقدَر المعلم حجم وأهمية هذه المهنة المقدسة التي يؤديها.
وهنا أود أن اروي للجميع شيئا من تجاربي خلال الحياة الدراسية. فهناك من المعلمين والمدرسين الذين حفر أسمائهم في مخيلتي وذكريات جميلة لا يمكن أن أنساها ما حييت, وأنا اعتبر نفسي مدينا لهم إلى قيام الساعة لما تعلمته منهم من أخلاق حميدة أولا والعلوم النافعة ثانية.
لكن إلى الجنب من هذا الأسماء, فنهالك أسماء لن أنساها أبدا لما كان لها من تأثير سلبي للغاية في نفسيتي. فعندما كنت في الصف الرابع الابتدائي وأنا مولع بحب فنون الخط العربي. كنت أتابع كل ما هو جميل بين صفحات كتبي الأولية وأحاول تقليد المكتوب. في إحدى الدروس حيث كانت إحدى المطبقات قد انتهت من الدرس وبدأت في حديث عام مع الطلبة. أخرجت انأ كتابا وورقة وبدأت أقلد الخطوط المكتوبة في أغلفة الكتب فان الطاقة الكامنة في داخلي وولعي بفن الخط العربي لا يسمح لي بالصبر لأن أعود إلى البيت وأمارس هوايتي. سألتني المطبقة ماذا تفعل؟ فأجبتها بأنني أقلد هذه الخطوط, فطلبت مني رفع الكتاب وعدم الكتابة. حاولت إفهامها بان الدرس قد انتهى وأنا لا أطيق الصبر لما في داخلي من حب عميق لهذا الفن. لم تفهم الأمر فرمت بكتبي وأوراقي في سلة المهملات الموجودة في إحدى زوايا الصف. الكتاب والأوراق وكل أدواتي التي استخدمها لتقليد الخطوط كانت مقدسة لدي كما هي في يومنا هذا. لذا فقد نهضت من مكاني لأخرج الكتاب والأوراق وأقلامي من تلك السلة الحقيرة. وما أن أخرجت كل شيء وفي طريق عودتي إلى رحلتي الصغير تصدت لي هذه المطبقة الفتية ورمتني أنا وأوراقي وأدوات الخط العائدة لي خارج الصف وكأنني قد ارتكب كبيرة. أحسست وأنا في التاسعة من عمري بإهانة كبيرة لم أنساها حتى وأنا ابلغ من العمر أشده.
الحالة الثانية التي استذكرها على الدوام حدثت معي وأنا في الصف الأول المتوسط وفي متوسطة الغربية بالتحديد. كنت دائم التمرين على الخط العربي وكنت اقرأ واخط الكثير من آيات القران الكريم وبتشجيع لا منقطع من المرحوم والدي الذي كان يحرص على تسجيلي في دورات القران الكريم المقامة في جامع كركوك الكبير القريب من بتنا, لذا فقد تولدت لدي الرغبة الملحة في حفظ القران الكريم وقد بدأت بحفظ قصار السور فعلا.
كنا في الصف الأول المتوسط وكان مدرس التربية الإسلامية هو الأستاذ عبد المجيد والذي كان مستقدما إلى مدينة كركوك من المحافظات الجنوبية ضمن سياسة تعريب المدينة المتبعة من قبل النظام آنذاك. سال منا قائلا من يحفظ شيئا من القران الكريم فليحضر نفسه لإلقائه الأسبوع القادم. كانت فرصة حلوة لأحضر شيئا من الذي أحفظه. تهيأت لهذا اليوم بسورة طارق, حفظتها جيدا وذهبت متفاخرا لأنني سأعرض قابليتي أمام الأستاذ وزملائي الطلبة واعرفهم برغبتي في حفظ كتاب الله. دخلنا الصف وجاء الأستاذ وأنا احسب لكل خطوة يخطوها وليتني أتمكن من آن اطلب منه الإسراع في الحضور لكي تبدأ المنافسة. يبدو أن الأستاذ قد نسي الأمر؟! فهو لا يطلب منا شيئا, ولم يذكره احد من الطلاب في الأمر. لذا بادرت في التذكير وقلت إذا سمحت لي أستاذي فإننا ننتظر آن نلقي ما حفظنا من كتاب الله أمامكم كما اتفقنا الأسبوع الماضي. أول رد الأستاذ كان الأتي: وهل أنت مستعجل؟ ترددت في الإجابة فلم أكن أتوقعه وقلت لا يا سيدي فقط للتذكير. كان سؤاله الثاني وهل حفظت شيئا؟ سارعت في الإجابة نعم يا سيدي. سألني عما أحفظ فقلت سورة طارق وأنا مستعد للتلاوة الآن.
ماذا كانت الإجابة برأيكم؟ شيء لم أكن أتوقعه ايضا!! لهذا لم أنساه حتى اليوم أي بعد مرور 34 عام بالتمام والكمال. ضحك الأستاذ بكل سخرية وقال لي وهل تعتبر نفسك تحفظ القران بهذه السورة القصيرة؟ (اكعد بابا اكعد)..
عندها ضحك الطلاب جميعا وكأنهم كانوا متفقين على الضحك وبكل استهزاء. جلست وبدأت العن كل شيء من حولي وقد هجرت فكرة حفظ القران الكريم منذ تلك اللحظة ولم اعد أفكر فيه قط بل هجرت كل احلامي.
وحالة أخرى لم تغادرني إلى الساعة ولن تغادرني إلى قيام الساعة. ايضا في متوسطة الغربية وأنا في الصف الثاني المتوسط أي قبل 33 عاما. مدرس مادة اللغة الانكليزية المدعو محمود ذنون الحديدي. كان من أتباع النظام والموالين له وهذه الصفة أكسبته حق السيطرة على المدرسة من ناحية الطلبة و التدريسيين على حد سواء. كان الكل في الكل كما يقال وأمره هو الماشي على الجميع. كان يستغلني أنا وصديقي الخطاط جمال إبراهيم في خط كل شيء في المدرسة من جداريات ولوحات ونشرات وما إلى ذلك. الأمر الذي كان يحرمني من حضور الدروس المهمة وأفوت أنا وصديقي جمال فرص تلقي المحاضرات. انتبه لهذا الأمر الخيرين من أساتذتي وقد قاموا بتنبيهي بان الأمر خطر عليَ وقد ارسب أنا وصديقي ونخسر هذه السنة إذا استمر الحال بنا على هذا المنوال. طلب الأساتذة مني أن ارفض الخروج من الدروس وان ارفض البقاء في المدرسة بعد الدوام لساعات للتمكن من المذاكرة والدراسة.
طلبنا ذلك أنا وصديقي جمال من هذا الأستاذ المدعو محمود. فغضب غضبا شديدا واعتبر الأمر إهانة له وتمردا عليه وطردنا أنا وصديقي من الإدارة. ولكنه لم ينسى الانتقام من طلبته الصغار هؤلاء حتى رسبنا في مادة اللغة الانكليزية وبقينا في صفنا وفوتنا على أنفسنا عاما دراسيا وسنة متعبة من حياتنا وكنا السبب في حزن أبائنا وأمهاتنا بعد التعب علينا عاما كاملا, ومن المؤكد قد فرح الأستاذ فرح شديدا بالنيل من طلابه الصغار.
ما دفعني إلى كتابة هذه الذكريات الأليمة وفي عيد المعلم بالتحديد حادثة مشابه عاشتها ابنتي وهي في الربيع الحادي عشر من عمرها اليوم. فقد قامت برسم لوحة جميلة لإهدائها إلى معلمة مادة الرسم في مدرستها. تعبت في الرسم وأنجزت لوحة حلوة تناسب عمرها الصغير. وضعت اللوحة المرسومة بالرصاص في غلاف جميل لتليق بالمعلمة وحملت حقيبتها الصغيرة بكل فرح متوجه إلى معلمتها قبل مدرستها. الحقيقة كنت أنا أيضا متلهفا لمعرف الآلية التي استقبلت المعلمة بها الطالبة الصغيرة وهي تحمل فرحها إليها وبكل براءة. رجعت ابنتي من المدرسة وقد أخبرتني بان المعلمة لم تعجب باللوحة لأنها غير ملونة وقد رسمت بالرصاص فقط!! عادت ابنتي إلى البيت بخيبة أمل كبيرة تعادل بحجمها حجم الفرحة التي خرجت بها إلى معلمتها التي لا تعي حجم مسؤولياتها وشرف مهنتها.
فالمعلم رسول إذا صان الأمانة, وشيطان إذا خانها.



Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  محمد هاشم الصالحي

1 - وصــيّة
2 - التعليم أيام أمي
3 - الأستاذ أكرم حموش ذاك المدير القاسي
4 - ماذا لو كنت وزيراً؟
5 - ثقافة المقاطعة وثقافة التذمر
6 - السجل العمومي لـرائد الصحافة التركمانية (احمد مدني قدسي زاده)
7 - بهاء الدين سيويملى وقطار الذكريات والعطاء
8 - وطن جاهز
9 - الحسنات لوجه الله ام لعبد الله
10 - تفاؤل
11 - بلاســـتيك معــــاد
12 - الورقة تتكلم
13 - التركمان من الثقافة إلى السياسة
14 - عطالــة
15 - قانون الإنتخابات وإنتخابات نيابية سنوية
16 - ايســف
17 - الحسب أم النسب في خدمة القضية
18 - قبل وبعد المنصب
19 - في حيينا جامعان
20 - ساري العبد الله
21 - حيــاة متقـــاعد
22 - دعـــاء
23 - لمطلوب إثبــاته
24 - تـدرج وظيـفي
25 - الخـير يخـص والشـر يعـم
26 - وزيــر تركمــاني
27 - خارج اسوار المقبرة
28 - العـم مهـدي عسـكر
29 - بعض الظن
30 - متين عبد الله وحكاياته المدرسية
>>التالي >>