Turkish Arabic
 
2012-09-11   Arkad‏‎na gِnder
5078 (1722)


قصة قصيرة: التفاصيل الصغيرة الحميمة أهم شيء في حياتنا


عباس احمد


كعادتي كنت مهموما وصخور الجبال تهوي على راسي ولا ادري ماذا افعل , عندها قررت ان اذهب صحبة الاخ بايزيد فاتح شاكر لنزور صديقنا القديم فيصل القادم من هولندا في اجازة ولنذهب سوية لتقديم العزاء الى صديقنا يالجين الذي يعيش بمفرده في دار واسعة في منطقة حي الضباط بكركوك لوفاة والدته وانفصاله عن زوجته التركية التي اخذت معها طفلتهما , فقلت انها فرصة لازاحة بعض الهم عن كاهلي .
وبعد كلمات العزاء وكالعادة تشعب الحديث الى كل امور الحياة حتى السياسية منها ومنها ما حدثنا به الاخ فيصل على لسان جاره الهولندي فاسرعت الى قلمي واوراقي ولندع الرجل ليتحدث : -عندما عدت إلى المنزل ذات ليلة كانت زوجتي بانتظاري وقد أعدت طعام العشاء, أمسكت يدها وأخبرتها بأنه لدى شي اريد ان أخبرها به, جلست هي بهدوء تنظر إلي بعينيها وأكاد ألمح الألم فيها , فجأة شعرت أن الكلمات قد تجمدت على لساني فلم أستطع أن أتكلم, لكن يجب أن أخبرها (أريد الطلاق ) خرجت هاتان الكلمات من فمي بهدوء, لم تبدو زوجتي متضايقة مما سمعته مني لكنها بادرتني بهدوء وسألتني لماذا؟ .
نظرت إليها طويلا وتجاهلت سؤالها مما دفعها للغضب بأن ألقت ملعقة الطعام وصرخت بوجهي أنت لست برجل في هذه الليلة لم نتبادل الحديث أنا وهي , كانت زوجتي تنحب بالبكاء أني أعلم بأنها تريد أن تفهم ماذا حدث لزواجنا لكنى بالكاد كنت أستطيع أن أعطيها السبب الحقيقي .
في هذه اللحظة أحسست بأن زوجتي لم تعد تملك قلبي فقلبي أصبح تملكه إمرأة أخرى " ماريا" أحسست بأنني لم أعد أحب زوجتي فقد كنا كالأغراب وان إحساسي بها لم يكن يتعدى الشفقة عليها .
في اليوم التالي وبإحساس عميق بالذنب قدمت لزوجتي أوراق الطلاق لكي توقع عليها وفيها أقر بأني سوف أعطيها المنزل والسيارة و 30% من أسهم الشركة التي أملكها ألقت زوجتي لمحة على الأوراق ثم قامت بتمزيقها الى قطع صغيرة, فالمرأة التي قضت اكثر من عشر سنوات من عمرها معي أصبحت الآن غريبة عني , أحسست بالأسف عليها ومحاولتها لهدر وقتها وجهدها فما تفعله لن يغير من حقيقة اعترافي لها بحبي العميق لـ( ماريا ).
وأخيراً انفجرت زوجتي أمامي ببكاء شديد الأمر الذي كان توقعته منها أن تفعله, بالنسبة لي بكاؤها كان مصدر راحة فهو يدل على أن فكرة الطلاق التي كانت تراودني أسابيع طويلة بدأت تصبح حقيقة ملموسة أمامي , وفي اليوم التالي عدت الى المنزل في وقت متأخر من الليل لأجدها منكبةً تكتب شيئاً , لم أتناول ليلتها العشاء وذهبت على الفور للنوم سرعان ما استغرقت بالنوم فقد كنت أشعر بالتعب جراء قضاء يوم حافل بصحبة ماريا.
فتحت عيني في منتصف الليل لأجدها مازالت تكتب , وفي حقيقة الأمر لم أكترث لها كثيراً وأكملت نومي مرة أخرى وفي الصباح جاءت وقدمت لي شروطها لقبول الطلاق, لم تكن تريد أية شي مني سوى مهلة شهر فقط , لقد طلبت مني أنه في هذا الشهر يجب علينا أن نفعل ما في وسعنا حتى نعيش حياة طبيعية بقدر الإمكان كأي زوجيين وان سبب طلبها هذا كان بسيطاً وهو ان ولدنا سيخضع لاختبارات في المدرسة وهي لا تريد أن يؤثر خبر الطلاق على أدائه بالمدرسة , ولقد لاقى طلبها قبولاً لدي.
لكنها أخبرتني بأنها تريد منى أن أقوم بشي آخر لها , لقد طلبت مني أن أتذكر كيف حملتها بين ذراعي في صباح أول يوم زواجنا وطلبت أن أحملها لمدة شهر كل صباح من غرفة نومنا الى باب المنزل , وبصراحة اعتقدت للوهلة الاولى أنها قد فقدت عقلها , لكن حتى أجعل آخر أيام لنا معا تمر بسلاسة قبلت تنفيذ طلبها الغريب .
أخبرت ماريا يومها عن طلب زوجتي الغريب فضحكت مليا وقالت باستهزاء بأن ما تطلبه زوجتك شي سخيف ومهما حاولت هي أن تفعل بدهاء فان هذا لن يغير حقيقة الطلاق فهو واقع لا محال .
لم نكن أنا وزوجتي على اتصال جسدي منذ أن أعربت لها عن رغبتي بالطلاق , فعندما حملتها بين ذراعيي في أول يوم أحسسنا أنا معها بالارتباك, تفاجأ ولدنا بالمشهد فأصبح يصفق ويمشي خلفنا صارخا فرحاً " أبي يحمل أمي بين ذراعيه " وبكلماته أحسست بشي من الألم , حملتها من غرفة النوم إلي باب المنزل مروراً بغرفة المعيشة مشيت عشرة أمتار وهي بين ذراعي أحملها , أغمضت عينيها وقالت بصوت ناعم خافت لا تخبر ولدنا عن الطلاق الآن أومأت لها بالموافقة وإحساس بالألم يمتلكني, إحساس كرهته, خرجت زوجتي ووقفت في موقف الباص تنتظر وأنا قدت سيارتي إلى المكتب .
في اليوم التالي تصرفنا أنا وهي بطبيعية أكثر وضعت رأسها على صدري, استطعت أن اشتم عبقها, أدركت في هذه اللحظة أنني لم أمعن النظر جيداً في هذه المرأة منذ زمن بعيد, أدركت أنها لم تعد فتاة شابة على وجهها رسم الزمن خطوطاً ضعيفة, غزا بعض اللون الرمادي شعرها,وقد أخذ زواجنا منها ما أخذ من شبابه , ا لدقيقة تساءلت ماذا فعلت أنا بها.
في اليوم الرابع عندما حملتها أحسست بإحساس الألفة والمودة يتملكني اتجاهها, إنها المرأة التي أعطتني اكثر من 10 سنوات من عمرها.
في اليوم الخامس والسادس شعرت بأن إحساسنا بالمودة والألفة أصبح ينمو مرة أخرى, لم أخبر ماريا عن ذلك وأصبح حمل زوجتي صباح كل يوم يكون سهلاً أكثر وأكثر بمرور مهلة الشهر التي طلبتها أرجعت سبب ذلك إلى أن بعض التمارين التي مارستها جعلتني قوياً فسهل حملها.
في صباح أحد الأيام جلست زوجتي تختار ماذا ستلبس لقد جربت عددا لا بأس به من الفساتين لكنها لم تجد ما يناسبها فتنهدت بحسرة قائلة " كل فساتيني أصبحت كبيرةً علي ولا تناسبني, أدركت فجأة أنها أصبحت هزيلة مع مرور الوقت وهذا هو سبب سهولة حملي لها. فجأة استوعبت أنها تحملت الكثير من الألم والمرارة في قلبها , لاشعورياً وضعت يدي على رأسها بحنان, في هذه اللحظة دخل ولدنا وقال" أبي لقد حان الموعد لتحمل أمي خارج الغرفة" بالنسبة إليه رؤية والده يحمل أمه أصبح جزءا أساسياً من حياته اليومية, طلبت زوجتي من ولدنا أن يقترب منها وحضنته بقوة, لقد أدرت وجهي عن هذا المنظر لخوفي بأنني سأغير رأيي في هذه اللحظة الأخيرة, ثم حملتها بيبن ذراعيي أخرجتها من غرفة النوم إلى الباب الخارجي مروراً بغرفة المعيشة وهي تطوق عنقي بيديها بنعومة وطبيعية, ضممت جسدها بقوة كان إحساسي بها كإحساسي بها في أول يوم زواج لنا, لكن وزنها الذي أصبح خفيفاً جعلني حزيناً.
في آخر يوم عندما حملتها بين ذراعيي لم استطع أن أخطو خطوة واحد, وكان ابننا قد ذهب الى المدرسة ضممتها بقوة وقلت لم أكن أتصور أن حياتنا كانت تفتقر إلى المودة والألفة إلى هذه اللحظة.
قدت السيارة وترجلت منها بخفة ولم أغلق الباب خلفي خوفاً مني من أن أية تأخير قد يكون السبب في تغيير رأيي الذي عزمت عليه... صعدت السلالم بسرعة ...فتحت ماريا الباب وهي تبتسم وبادرتها قائلا:" أنا آسف لكني لم أعد أريد أن أطلق زوجتي" .
نظرت ماريا إلي مندهشة ومدت يدها لتلمس جبهتي وسألتني :" هل أنت محموم؟".
رفعت يدها عن جبيني وقلت لها:" أنا حقاً آسف جيين لكني لم أعد أريد الطلاق قد يكون الملل تسلل إلى زواجي لأنني وزوجتي لم نكن نقدر الأشياء الصغيرة الحميمة التي كانت تجمعنا وليس لأننا لم نعد نحب بعضنا, الآن أدركت انه بما أنني حملتها بين ذراعيي في أول يوم زواج لنا لابد لي أن أستمر أحملها حتى آخر يوم في عمرنا.
أدركت ماريا صدق ما أقول وعلى ثبات قراري النهائي عندها صفعت وجهي صفعة قوية وأجهشت بالبكاء وأغلقت الباب في وجهي بقوة , نزلت السلالم وقدت لسيارة مبتعداً توقفت عند محل بيع الزهور في الطريق واخترت حزمة من الورد الجميلة لزوجتي, سألتني بائعة الزهور ماذا تكتب في البطاقة, فابتسمت وكتبت " سوف استمر أحملك وأضمك بين ذراعيي كل صباح إلى أن يفرقنا الموت" , وصلت إلى المنزل وحزمة ورد بين يدي وابتسامة تعلو وجهي ركضت مسرعاً إلى زوجتي الا أني وجدتها قد فارقت الحياة في فراشها, لقد كانت زوجتي تكافح مرض السرطان لأشهر طويلة دون أن تخبرني وأنا كنت مشغولاً مع ماريا , لقد كانت تعلم أنها ستموت قريباً وفضلت أن تجنبني أية ردة فعل سلبية من قبل ابننا الوحيد وتأنيبه لي في حال مضينا في موضوع الطلاق, على الأقل هي رأت أن أظل أكون الزوج المحب الوفي المخلص في عيون ولدنا.
لا المنزل الفخم ولا السيارة ولا الممتلكات أو المال في البنوك هي مهمة, المهم هو التفاصيل الصغيرة الحميمة في حياتنا وهي أهم شي في علاقاتنا , هذه الأشياء الصغيرة هي مصدر السعادة, فاوجدوا الوقت لشركاء حياتكم وأصدقاءكم وعائلاتكم واستمروا في عمل هذه الأشياء الصغيرة لبناء المودة والألفة والحميمية

أنظر الى كل شئ ايجابي في علاقتك الزوجية ولا تخرب مابنيته في حياتك بنزوة عابرة او تقييم سريع خاطئ , فالعلاقة الزوجية تكامل وحب وتضحية من الطرفين وليس من طرف واحد فقط .



Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  عباس احمد

1 - البحث عن الديمقراطية
2 - الدكتور يلدرم شاهد على التاريخ
3 - الحياة في زمن الكرونا
4 - لماذا ارتفعت وتيرة الاصابة بكرونا في كركوك
5 - عجينة التراب والدم
6 - من تداعيات كرونا ومنع التجوال .. العنف الأسري
7 - كلمات عن قاياجي بعد تسعة اعوام على رحيله
8 - حكومة جديدة
9 - الممتلكات العامة من يحميها
10 - الاستحقاق القومي التركماني في 2020 .. والحقوق الثقافية سنة 1970
11 - لمناسلة الذكرى الاربعين ليوم الشهيد التركماني 16 كانون الثاني أبطال عظام كنجوم لامعة تتلألأ في سماء التركمان
12 - اسباب ازمة السكن في العراق
13 - طموحات التركمان في العام الجديد
14 - نهر خاصة جاي
15 - الاغتراب داخل الوطن
16 - هكذا اوصاني الاستاذ
17 - التلاحم افضل رد على الاطماع
18 - الاحتجاجات وازمة البطالة
19 - يا ليتني كنت رجلا خارقا
20 - كلمة الحق مندثرة في زوايا الظلام
21 - تغيير الدستور لا تعديله
22 - التسول طريق الى الفساد والانحراف
23 - و تساءلت والدتي بدمها و دموعها .. مجزرة 14 تموز.. ذكريات شاهد عيان
24 - مواقع التواصل الاجتماعي والانترنيت
25 - كركوك أمل ويأس
26 - حوادث بشعة وترابط اسري مفكوك
27 - عند باب العزاء
28 - نجوم في سماء التركمان .. أيام الإبادة الجماعية في مدن توركمن ايلي ساعات رعب في أذار 1991
29 - بعد عقود من الزمن تكريم القائد التركماني عمر علي
30 - ثمان سنوات عجاف على رحيل قاياجي
>>التالي >>