Turkish Arabic
 
2012-06-01   Arkad‏‎na gِnder
6012 (2244)


لقاء مع الكاتب والفنان فاضل ناصر كركوكلي


نصرت مردان


سؤال – ولدت , على ما أعتقد , في قلعة كركوك ... ما مكانتها في حياتك ككاتب و فنان تشكيلي , سيما وأنت تشارك أخويك الفنانين ناظم ناصر و نورالدين ناصر الإنتماء للفن , هل للمكان دوره ُ في توجه الأخوة ( ناصر ) الى ضفاف الفن ..؟؟

جواب – أشكرك على هذه الاشارة المباشرة ( السؤال ) الى الحاضنة الابداعية الاولى في حياة ِ الإنسان التي تحتاج الى تداعيات بحجم ِ كتاب للإجابة ِ عليها , أنني ولدت في قلعة كركوك ثم انتقلنا مع العائلة الى المصلى فقضينا ثلاث سنوات في بيت كبير وواسع يُخاصرُ تماما ً مقهى المصلى يقع ُ في زقاق مسدود كان يملكه ُ الوجيه المعروف – عمرعادل – رحمه الله , وكان سطح ُ هذا البيت مطلاَ ً على مدرسة المصلـَى الابتدائية و مشرفا ً على سكون المقبرة الغامض و المحيَر و خصوصا ً في ليالي الشتاء العاصفة , وكنت ُ أشهد ُ من هذا السطح حملة َ التوابيت والمشيَعين المتناوبين على حملها بإستعجال ò مُريب و كأنهم يريدون الخلاص من الاموات ليرتاحوا , والأغرب , بأن هذا البيت كان يشرف ُ أيضا ً على طريق المجزرة المتربة ( قصاب خانه ) وعلى الأبقار والعجول والخِراف التي كانت تـُساق ُ للذبح , وكثيرا ً ماكنت ُ أرقب ُ هلعا ً هذه الحيوانات البريئة التي تحدس ُ بمصيرها المؤلم فترجع ُ على أعقابها هاربة ً و صارخة و القصابون يتراكضون إثرها بحبالهم و سكاكينهم تحت حزامهم .. إذن ... كانت ولادتي , في كل الأحوال , لا تبشر ُ بخير , عانقت صور ً الموت مبكرا ً فدامت حتى هذه اللحظات الشريرة ..!!



المهم .. إنتقلنا الى القلعة وعمري جاوز ثلاث سنوات , فإستأجرنا بيت المرحوم – عمر لطفي أفندي - المسكون بالأرواح كما كانت العجائز تروي , وكان هذا البيت مُحاطا ً بأروع ِ الجيران و أطيب ِ الناس قاطبة ً كما يترآى لي الآن , وكانت القلعة في ذلك الوقت معزولا ً عن الاجراءات التعسفية للسلطات التنفيذية ووسائل القمع الحكومي , وهذا الانعزال كان يُتيحُ لها إبداعا ً ذاتيا ً في إرساء ضوابطها الاجتماعية الخاصـَة حيث أصبح ولاء ُ الناس منصبـَاً لمجتمع القلعة المنغلق بوجه ِ ( الأغراب ) والمنفتح لأهلها و عوائلها التركمانية المعروفة , وبالنتيجة , بدأ التكافلُ و التكاتف الاجتماعي وحتى الإقتصادي يتجلـَى فيها بأشفَِ تآلفه ِ و تكامله الانساني في جميع محلاتها و حواريها , وكان الشعور القومي والانساني في أوج توحَده بين الناس بكافة ِ أصنافهم الطبقيَة من الحرفيين والعمال الموسميين والفقراء المعدمين الى التجار و الوجهاء و أصحابي الألقاب الفخمة , ففي الظهيرة ِ , مثلا ً , كـُنت َ تجد أطباق َ الأكل الساخنة , وخاصة بين الفقراء , تتوجه ُ و تتحرك ُ بين البيوت من قبل النسوة بعبائتهن بشكل لا تهدأ , وكانت هذه الحركات تزداد ُ إطـَرادا ً في أيام رمضان و المناسبات الدينية وفي مراسيم المآتم و الختـَان وفي طقوس إستدرار المطر وأعياد النور ( الخاصة لأخواننا المسيحييَن التركمان ) بالإضافة الى إحتفالات الخطوبة والأعراس التي كانت تصاحبها الرقصات التركمانية الخاصة , والخاصة جدا ً , وبهذه المناسبة أقول ُ صارخا ً بأن هذه الرقصات الأصلية في كركوك والقصبات و المدن التركمانية الاخرى في سبيلها الى الإنكفاء و الزوال بفعل تدخـَل أبناء الذوات من ( المتثاقفين ) الذين إستوردوا لنا رقصة َ الشموع ( المائعة ) التي لم أرها في أعراسنا و جلسات الخوريات الصميمية الا بعد إفتتاح المركز الثقافي التركي في كركوك , والشيء بشيء يذكر , بأن مشاهد الدراما الشعرية وخصوصيتها المتفرَدة تبدأ من جلسات الخوريات في تنامي شحنتها الشعرية حتى أوج الحدث الدرامي مضيفا ً اليها الشعائر الدينية الموسيقية المصاحبة برقصات الدراويش و المتصوفة التي كانت تـُقام في التكايا و المساجد في القلعة والتي لم تكن تبخل بتجهيز الطالب و المـُريد بأنواع القريض و المنظومات الإتباعية في الشعر التركي , فضلا ً عن إن القلعة كانت مرتعا ً لإستحداث الألعاب الفولكلورية للأطفال و للرجال الأشداء معا ً و حتى للصبايا المجدولات الشعر وللمباريات المنزلية مع صحبة ِ الجيران و الضيوف , ناهيك عن إحتواء القلعة في ذلك الزمن للشخصيات الأدبية والشعرية والغنائية ولرواة الأحاديث والقصص والحكايات التراثية الحافلة بسير العشاق والأبطال الشعبيين و ناقلي الأساطير و الخوارق و الملاحم الشهيرة في الأدب التركي والتي كانت رواتـُها غالبا ً من نسوة ò وقورات يتقن َ تماما ً أسلوبَ السرد و خفايا شدَ المستمع و إبهارهِ مع إحتفاظ القلعة , حتى لسنوات قريبة , بمنشدات المراثي التراجيدية و النائحات ِ شعرا ً لمطولات تذكرنا بمراثي ( آرتونقا ) و (لامش ) و ( هومير ) .. بإختصار .. كانت قلعة ُ كركوك إختزالا ً للبـُنية التركمانية تأريخا ً و حضارة ً و أدبا ً و فنا ً شعبيا ً متفرَدا ً و إستثنائيا ً حتـَمه هامش ُ الحرية الذي رسَخ بدوره الضرورة الاجتماعية و الإقتصادية والمعرفية في داخل كيان القلعة المصغـَر بسبب موقعها الجغرافي الشبه المعزول عن قوانين حكام العراق المستبدَين , ولهذا شكـَلت القلعة ُ روح مدينة كركوك و عصبها الثقافي وقلبـَها النابض وخلاصة َ تشوفها الى الانعتاق والى الاسهام بإضافات رائدة لخصوصيتها القومية !!


(وبهذه المناسبة يمكن الرجوع الى دراسة وإحصاء نشره الكاتب المعروف الذي أعتبره ُ ذاكرة ُ القلعة الاستاذ فلاح يازار أوغلو عن الشخصيات الثقافية التي أنجبتها القلعة ) ... كما يمكن القول بأن الموقع الشبه المنعزل للقلعة جعلها ملجأ ً لأنواع لا تحصى من الهوام والعصافير والبلابل والطيور الداجنة و البرَية هربا ً من صخب المدينة وهدير المركبات والاسواق المزدحمة ( أنظر , قطة المرحومة قدريَة المنشورة في الموقع والثقافة الجديدة ) و ( حكاية عشق في قلعة كركوك ) , لذا , ولكل هذه الأسباب , أصبحت القلعة , بالنسبة لي , مادة ً إبداعية غنيَة و عميقة للكتابة والفن التشكيلي الذي كنـَا نستلهمها من معمار بيوتها ومن هندستها و طرازها السلجوقي والقبجاقي والعثماني الزاخر بالنقوش والزخارف النباتية و الحيوانية وبالطاقات والأقواس والمتئدات والأبواب الخشبية المحفورة والنوافذ والسقوف المنقوشة وبما لا حصر لها من جماليات الفن التي عكسها الاسلوب ُ الشرقي الأخاذ في المخطوطات الآسيوية القديمة المنجزة بألوان خاصة و خطوط خاصة وبمنظور فني خاص و موتيفات محلية خاصة ( المينياتور ) التي أبدعتها أنامل ُ الفنانين الآذريين ( بهزاد ) و ( حسن ميرزا ) اللذان تتلمذ َ عليهما ( يحيى الواسطي ) ... إن هذا الكمَ ُ الرائع من البشر المبدعين والكائنات والجماليات الضَاجة بمشاهد الفن اليومية الأصيلة جعلت من القلعة كيانا ً مؤنسا ً حافلا ً بالأرواح الغير المرئية وبالنفوس الطيبة الى درجة بدا فيها كلَ ُ شيء مسكونا ً بالقدسيَة إبتداء ً من عتبات البيوت و مرورا ً بالتقاليد التراثية في الممارسات اليومية و إنتهاء ً بطقوس الموت وما بعد الموت , كلـَـُها كان يحمل ُ قبسا ً من الأرواح و الكينونات الغارقة بالقدم لذا فإن أنسنة ُ الأمكنة في فضاءات هذه البيئة المحلية التي تتراوح بين العمق ِ والإصالة عند أغلب الكتـَاب و الفنانين المشهورين والتي نبـَه اليها ( ماركيز ) في اكثر من وقفة أدبية حول بيئته ( ماكندو ) , كانت تتألف بأشدَِ صورها اللانهائية في تضادات هذا المحيط الشعبي , وسوف نرى لاحقا ً , وبعد سنين من التجريب , تصريحات ( ميلان كونديرا ) بأن كل شيء قابل للعمق إذا تناوله كتاب غارقون بالبيئة المحلية , وعليه فإن المدارس الأدبية والفنيَة الرفيعة وحتى أشدَها غرابة ً و تغريبا ً خارجة من رحم الواقع من منازل ( سوان ) لبروست الى حارات ( محفوظ ) و أرياف ( القعيد ) و ( تاتران ) عبد الستار ناصر ... وحتى محاكمة ( كافكا ) و بطلها الذي يركن ُ الى مكننة المكان و إستلابه حسب الباحث التشيكي ( غولد ستاكر ) ...!!!!
أستاذ نصرت ... بودي التطرق الى نقطة بعجالة كي لا أطيل ُ في الاجابة على هذا السؤال ... لقد كان أغلب البيوت المتداخلة في القلعة تملك أشجارا ً مثمرة و حديقة صغيرة في وسط أحواشها يزرع فيها أهاليها شتـَى الورود والأزاهير التي تـُزين النوافذ و الشرفات المطلة على الأزقة , وكانت أمهاتنا , و المرأة التركمانية بشكل عام , تراعي هذه الخصلة الحضارية الجميلة و تنافس جاراتها بزراعة أنواع الورود النادرة , لا بل كنََ يوصين ( البستاني ) عليها و القائمين على الحدائق و المزارع ( الخولي ) من البساتين القريبة , وقد عكس َ ميراثـُنا الغنائي مصداقية ُ هذه العادة التي كانت سائدة الى وقت قريب , وإلأَ , دخيلك , ما معنى هذه الأغاني التركمانية القديمة التي تحتفي بهذه الخصوصية من بين كافة القوميات و الطوائف في العراق ... ؟؟


مصالادان شاطرليا يول يده ر
خانم لارا ده سته ده سته ول يده

----

هاي هاوار باغوان ألوده ن
أويارا ول آز ييتشب
----

نريزێ ده سته باغلادم
ده سته بدسته باغلادم
بيرنێ ياريليێ
أو بيرين دوستا باغلادم

----

والآن .. أين أصبحت هذه العادة الرائعة التي تنم َ عن التذوق العالي للجمال و الطبيعة التي كانت , ولا زالت , تلقى توقيرا ً خاصا ً في مجتمعات آسيا الوسطى التركية ..؟؟ يبدو إن إختلاطنا الغير المدروس مع الأقوام العراقية الأخرى حمـَلنا ضريبة ً باهظة تعدَت كثيرا ً مفهوم صهرنا و تهميشنا السياسي ..... وهذا التساءل يجرني الى تساءل ò أكثر إغراقا ً بالألم .. أين أصبحت تلك الأنامل ُ الرهيفة لنسائنا اللواتي كن ََ يطرَزن الورود بمختلف أشكالها , القرنفل و الجوري و الياسمين و الأشرفي و زهر الرمان و الشقائق وعشرات الانواع النادرة والغريبة التي كانت تزيَن حافات الفساتين وياقات الصبايا والمناديل و الوسائد وأستار النوافذ والأقمشة المفروشة على طاولات الأكل و فوق الصناديق الخشبية المحفورة بأجمل النقوش و الرسوم الشعبية ..؟؟
كل هذه المظاهر التي تفتحُ لها البلدان المتقدمة دوراتا ً خاصة كانت من صميم إرثنا التركماني بشكل عام ...!!
وبهذا الصدد , لم تكن أغانينا الشعبية و خورياتنا منبعا ً ثرا ً لتراثنا الموسيقي والأدبي فحسب , بل كانت مرآتا ً تعكس ُ عاداتـَنا الاجتماعية وتقاليدنا العريقة في تمجيد الحكمة والجمال والأثرة والوفاء والشجاعة والصداقة والأخوة والجود والكرم ومواجهة الايام الحالكة بالصبر والإيمان بالقيم الانسانية العالية , وكانت , في وجهò آخر , حربا ً ضروسا ً للتخلف والعادات البالية وزوادة ً عظيمة لبقاء التركمان صامدين تحت الشمس أحياء ً مفعمين بمآثر الاجداد , فما أحوجنا الآن للقيام بإحياء هذا الإرث الموسيقي والشعري من خلال مسابقات شعرية وغنائية تثري موسيقانا الشعبية وبدعوة المثقفين والإعلاميين والمؤرخين المختصين بالقيام بالجرَد والمسح الشامل لذخرنا الشعبي الفولكلوري على مستوى الأقليم التركماني قبل أن يصيبه الشلل والموات بأضعاف ما أصابه الآن من الإهمال والإقصاء ...!!

لقد قادني إهتمامي لإبداع الكاتب عباس باكيخانوف ( 1796- 1854 ) صاحب الكتاب الرائع ( لستان – إرم ) وهو شخصية آذرية موسوعية و أدبية مرموقة إشتهر بسعة ِ إطلاعه و إجادته لغاتا ً عديدة و مواهبا ً فنيَة جمـَة , والذي لازال ضريحه ُ قائما ً في ( وادي فاطمة ) بين مكـَة والمدينة المنوَرة , يقول ( باكيخانوف ) بأنه تلقـَى دعوة ً من عائلة الشاعر الروسي ( الكسندروشكين ) في سان يتربورغ , وإثناء وجوده في قصر ِ العائلة طلب َ المدعوون منه أن يعزف على اليانو بعضا ً من الألحان القفقاسية , فعزف َ لهم أغنية ً تركمانية مشهورة مطلعها ( قالادان قالايا شاهين أوورتدوم ) وكان من بين الحضور الموسيقار المشهور ( غلينكا ) الذي إستأذن منه , حسب قوله , في إدخال هذه الأغنية كجملة ò موسيقية على شكل ( ریڤرتور ) في لحنه الجديد المـُؤلف من الحوارية بين الآلات الوترية بمصاحبة اليانو ( كونشيرتو ) ...!!
ولازال هذا اللحن التركماني يُعزف في أنحاء العالم تحت المصنـَف الثاني للآلات الوترية من آثار ( غلينكا ) الموسيقية ... !!
إن قلعة كركوك التي حملت أدقَ خصوصيات التركمانية قد صَاغت شخصياتـَنا وأعماقنا ببصماتِها الى الابد , فهي , بالنسبة لي , عالم ñ من الأضداد في أرفع توافقها الانساني الرحب , و شلال ñ من الأنوار لا زالت تتاخم ُ أحلامي و تطلعاتي الى غد ò مشرق ò , فاين أنا ككاتب وفنان من أغوار القلعة وإنبعاثها الأبدي في حتمية ولادتي وموتي التي منحتني قسطا ً ضئيلا ً من الشجاعة لإرتياد ضفاف الكتابة والفن التشكيلي بجهود ò ذاتية جرى صقلـُها على يد ِ أروع فنان وألمع مربَي تركماني هو الاستاذ ( نورالدين عزت ) الذي تتلمذنا , أنا و أخوتي ناظم و نورالدين على يديه البارعتين .... مؤمنا ً من الاعماق بأن الأمكنة َ تجذبُ و تسبغ ُ و تمنح ُ أسرارَها الدفينة لعشاقها الأبديين ..فقط ..!!

- تقفُ على ضفاف ò إبداعية كثيرة كفنان تشكيلي ومسرحي وإعلامي , ماهي المعارض الفنيَة التي وضعتَ عليها توقيعك في المعارض المشتركة مع فناني كركوك ..؟؟

- إشتركت ُ في أغلب المعارض التي أُقيمت في كركوك بالسبعينات إضافة الى معرض شخصي في الهواء الطلق و معرضا ً للوستر السياسي في حدائق ( عرفة ) , ومعرضين في السويد في مدينة ( بورلنا ) و مدينة (وتنبورغ ) تحت عنوان ( معرض الفن التركماني ) .. و حاليا ً أحاول ُ إقامة مهرجان الفن التشكيلي العراقي في السويد الذي سوف ينجزه المركز الثقافي التركماني في (وتنبورغ ) ...
- أسستُ مع الفنانين , هيثم عبد الرزاق و عبدالرزاق محمد والمرحوم جعفرالبياتي وعواد علي والمرحوم داود زيا , المسرح التجريبي في كركوك هل لك أن تحدثنا عن مسيرة هذا المسرح وأسباب إنكفائه ..؟؟
- قضية ُ المسرح في كركوك قضية ñ شائكة و ذي شجون تحيلنا , أو تحيلـُني شخصيا ً , الى سؤال مؤرق سلخ مني سنواتا ً من التساؤل عن إمكانية أيجاد مسرح ذو سمات تركمانية خالصة , لأن المسرح هو المكان الوحيد أو بالأحرى الطقس الوحيد الذي يقوَض الابعاد بين الفنون المرئية والغير المرئية , وتماهيا ً لهذا الهمَ ُ الثقافي إشتركت ُ مع مجموعة من الدارسين الأكاديميين الشباب والهواة الذين كانت لهم تجارب متميَزة كممثلين ومخرجين من خارج إطار الهيمنة الحزبية في كركوك وصل عددُهم , فيما بعد , الى أكثر من خمس ò وعشرون فناناً و موسيقيا ً و تشكيليا ً وإداريا ً , إجتمعت نواة ُ هذه المجموعة في مقهى النصر وأعلنوا تأسيس مسرح أطلقوا عليه إسم ( المسرح التجريبي ) تميزا ً عن المنبر الخطابي البائس و السائد في كركوك في ذلك الزمن الذي سُمَيَ إجحافا ً بالمسرح , و كان من حُسن حظـَ هؤلاء الفنانين ( النواة ) تعيين الشاعر ( مرشد الزبيدي ) مديرا ً للإعلام الداخلي والذي كانت تربطنا به علاقات ثقافية وصداقة أخوية لازلنا نعتزَ بها بلا حدود والذي هيأ لنا مكانا ً صغيرا ً حوَلناه الى خشبة ِ العرض , وقد تحمَل هذا الانسان كلَ َ التضييقات ومحاولات وأد الفرقة الوليدة في مهدها , نيابة ً عنـَا , من قبل الأجهزة الحزبية , وكان هذا المسرح إرهاصا ً لأول محاولة ò جادَة في تأسيس مفهوم الدراما من خلال ِ مناقشات ò كانت تجري بشفافية و حماس منقطع النظير قبل العرض وبعده مع العاملين والجمهور بشكل ندوات تكرَس تطبيقات المختبر أو المشغل المسرحي يشترك فيه الأعضاء إضافة الى المهتمين بالثقافة من أصدقائنا أمثال ( هاتف الجنابي ) و ( عبدالله إبراهيم ) والشاعر ( مرشد ) نفسه , وكانت هذه الندوات تعمَق تطبيقات الممثل على منهج ( ستانسلافسكي ) و الولوني ( كروتوفسكي ) و ( أوجينو باربا ) المهووس بشڤيتزر والطقس الشاماني إضافة ً الى الدراسة النظرية للمسرح الملحمي (بريخت ) والمسرح التسجيلي ( بيترڤايس ) وذلك لضرورات التوجه الى تحريك الشارع و تثويره ... بإختصار .. لأول مرة يحدث في كركوك أن ينبثق تجمعا ً متحمسا ً ثقافيا ً يركـَز إهتمامه و يحصرُه في إطار تدريب الممثل نظريا ً بالأسس والقواعد المسرحية و دراسة الاتجاهات الفنيَة بعيدا ً عن المسرح التربوي المبتسر والمباشر بتعميماته الخطابية الفجَة وبالطريقة المشوهة حتى للمنهج الأرسطي الإتباعي الذي يدين له , كما يمكن القول بأن هذا المسرح دشَن لأول مرة تجمعا ً فنيا ً و ثقافيا ً من مختلف الانتماءات الأثنية التي تضمَها المدينة , والذي أعتبره إمتدادا ً و تتويجا ً لجهود التجمع الستيني ورواده بجدارة وإمتياز على الرغم من المسحة التركمانية في ثنايا هذا المسرح الذي حاول بعض أعضائه إرساء ِ تفرَد تركماني من خلال تقديم دراسات و نقاشات طويلة وجادة لإبراز ملامحه تأريخيا ً و إجتماعيا ً و فولكلوريا ً في سياقاتها التنظيرية البحتة ولكن هذا التشوف الزاهي ومعه المسرح التجريبي برمته لم ينفلت من أنياب المترصدين له والتي بدأت مع الروڤات النهائية لأول مسرحية تقدمها الفرقة وهي ( أفول القمر ) ليوجين أونيل , حين بادرت الأجهزة الأمنية بإختطاف صاحب الدور الرئيسي في هذه المسرحية المرحوم ( داود زيا ) وإلقائه بعد اسبوع جثة ً شبه هامدة غارقة بالدماء قرب بناية النشاط في كركوك بتهمة ò ملفقة لترويع أعضاء الفرقة , فإضطر المرحوم لمغادرة العراق فقضى أخر ليلة له في كركوك , في بيتنا في القلعة , حيث قضينا معه ليلة ً وداعية مؤثرة مع ( بعض ) أعضاء الفرقة ....!!



قدمت فرقة المسرح التجريبي , بعد إلغاء عرضها الأول تضامنا ً مع المبدع ( داود زيا ) , باكورة أعمالها ( بزوغ القمر ) لليدي كريكوري عن الثوَار الإيرلنديين لاقت رواجا ً و تجاوبا ً جميلا ً من الحضور أعقبتها مسرحية مصطفى الحلاج ( دراويش يبحثون عن الحقيقة ) , والدراويش هنا , باللهجة السورية , تعني البؤساء و المهمَشين , وقد قـُوبلت هذه المسرحية بإحتفاء إستثنائي لأيام متتالية فأقدمت الفرقة ُ بعد هذا النجاح عرض مسرحية ( ثلاثة حكايات تراثية ) من – توليفي – التي لاقت إقبالا ً واسعا ً حتى في العاصمة بغداد , ثم قدمت الفرقة مسرحية للأطفال ( الطائر و الثعلب ) حيث إستمرت في تقديم أعمالها على يد الشباب الواعدين حتى إعتقالي و إبتعادي القسري عن الفرقة في الوقت الذي كنـَا نتحضـَر ( أنا و هيثم عبد الرزاق ) بتقديم مسرحيتي ( العودة ) ... من الملاحظ بأن كلَ المسرحيات التي قدمتها الفرقة كانت مدروسة بعناية قاربت الإستشراف بإنسحاق كرامة الإنسان وحريته المقدسة تحت بساطيل صعود العسكر اللاحق ...!!
برأيي , كان أهم سبب لإنكفاء المسرح التجريبي هو توجهه السياسي اليساري و نزعته الثورية المتأثرة بنزعة التمرد عند الشباب الثائر في تلك الفترة وكان هذا واضحا ً في مخاطبته للجمهور وإصالته في تبني قواعد المسرح الملحمي في إلغاء كلَ الأبعاد بين الممثل و المتفرج و إشراكه في الحدث المسرحي ضاربا ً بعرض الحائط عناصر إستدرار العاصفة والإنسلاخ الذاتي ...

واليسارية هنا في كلَ الاحوال لا تعني النظر لمشاكل الحياة المعاصرة بكل بشاعتها في تغريب الإنسان من منظور ( أتان الطاحونة ) كما يفهمها بعض المخدوعين و بالأخص في الشارع التركماني , بل هي , من وجهة نظري , قمة الشعور بالقومية وأوج التأصيل القومي في جانب رفضه بالمتاجرة بالشعارات القومية وإسهامه بالدفاع عن الأغلبية المحرومة من مقومات الحياة الانسانية , وهي بشارة لزمن وطني يتألق في ذروة الحق والعدل , وفي هذا المعنى بالذات كانت توجهات المسرح التجريبي تقض َ مضاجع السلطة وتثير كلاب المؤسسات القمعية , وكان هذا السبب من أهم اسباب إنكفائه المبكر ونهشه تحت أنياب الديكتاتورية , لقد كتب بعض ُ الشرفاء من الصحفيين ببغداد مقالاتا ً عديدة و منصفه بحق ِ هذا المسرح , لابل كتب أحدُهم مقالة يحث فيها طلاب الاكاديمية في بغداد للتوجه الى كركوك للإستفادة عن كثب من تجارب المسرح التجريبي , كما كانت تزوره وفود صحفية وشخصيات فنية وأدبية و شعرية مشهورة في تلك الفترة أخصها زيارة نقيب الفنانين الرائد المسرحي ( حقي الشبلي ) الذي أعربَ عن دهشته صادقا ً بإداء الفرقة و مستواها الفني بالإضافة الى حضور برنامج ( عدسة الفن ) الى قاعة المسرح لتصوير حيثيات الروڤات وإجراء اللقاءات مع أعضاء الفرقة , فلا يسعني بهذا اللقاء , بعد مرور عقود على تأسيس المسرح التجريبي , الا أن أحيَي الفنانين الذين ساهموا في إشعال هذه الومضة في تأريخ الفكر والفن والثقافة في كركوك التي لاتنطفئ شعلتها ..!!

- كتبت َ بالعربية مسرحيات ( القرف ) و ( ثلاث حكايات تراثية ) و ( الحلاج يتأرجح ) و ( العودة ) وبالتركمانية ( الذين فقدوا ألوانهم ) و ( حكاية جدار ) و ( اورخان محمود زاده ) و ( الحانة ) .. ما هو القاسم المشترك بين هذه المسرحيات ..؟؟
- هذه المسرحيات كـُتبت في مراحل زمنية مختلفة من حياتي , لذا من الطبيعي أن تكون المواضيع والمعالجات الفنية مختلفة بعضها يرصدُ المظاهر الاجتماعية المتخلفة وسيطرة الموهومات والخرافات على العقول ( الذين فقدوا ألوانهم ) و بعضها ينتقد الديماغوجيات و عبادة المنطق الشكلي و الخطابي الفارغ ( القرف ) و يشخص البعض ظاهرة شعراء الكـُدية و العيَارون ( ثلاث حكايات تراثية ) ووقائع عذابات المتصوفة ( الحلاج يتأرجح ) ثم يأتي رصد الاغتراب الداخلي ( الوطن ) والخارجي ( الغربة ) في مسرحية ( العودة ) والقمع في سجون النظام السابق و الحالي ( أورخان محمود زاده ) , ولم تـُعرض من هذه المسرحيات سوى ( القرف ) و ( الذين فقدوا ألوانهم ) و ( ثلاث حكايات تراثية ) , وقد قام الفنان المرحوم ( أنور رمضان ) بإخراج مسرحية ( الحلاج يتأرجح ) ولكن مدير لجنة فحص النصوص , أظن كان إسمه , علي حسن البياتي منع عرض المسرحية مذيَلا ً رفضه بأن العراق يعيش زمن البعث و ليس زمن الحلاج ..!!...
وكلَ هذه المسرحيات عـُولجت بالمنهج التقريري و الملحمي عدا ( حكاية جدار ) و ( الحانة ) اللتان تحاولان تأسيس ملامح تركمانية خاصة بتوظيف الارث الشعبي والفولكلوري يعكس الفعل الدرامي في جلسات الغناء و الخوريات و التضادات الشعرية فيها التي ترقى الى قمة الديالوج الداخلي للشخصيات في إحتفالية مسرحية تقارب الطقس الغنائي الشعبي الذي كنا نلمسه في الأعراس و طقوس الفرح ( ألنجه ) وفي الاحتفالات الدينية , والسبب في تناول هذا الشكل هو وجود ثيمات مسرحية تعبيرية و رمزية خاصة في هذا الطقس التراثي الذي يتجلـَى بين الميلودراما والأورا ,يتلامح أحيانا ً مع أورا (بنسات الثلاث ) لبرخت و مشهد ( العشاق الشعبيين ) في ورأغلو لعذير حاجي بكوف , مع التأكيد بأنه اكثر إغراقا ً بالموتيف الشعبي التركماني ...!!!!
- تبدي إهتماما ً كبيرا ً بالكتابة عن الثقافة والأدب الآذربيجاني و كتـَابها و شعرائها و خاصة ( أدباء جنوب آذربيجان ) هل لنا أن نعلم مبررات هذا الاهتمام ..؟؟
- كان أبي , رحمه الله , من آذربيجان الجنوبية ( أورمية ) إلتجأ الى أربيل و تزوج فيها في وقت كانت اللغة التركمانية سائدة تماما ً في أربيل , ولا أستدل َ على ذلك إلاَ بالمرحومة الوالدة وأغلب أقربائها من التركمان الذين لم يعرفوا في حياتهم إلاَ لغتهم التركمانية , أما الوالد فكان يتحدث ُ بالتركية المشوبة باللهجة الآذرية حتى وفاته في كركوك بعد أن أنجبَ ( جوه ) من الأبناء والبنات يصل ُ عددُهم , الآن , بالتزاوج الى عشيرة تركمانية معتبرة إنتقاما ً من أكبر فاجعة قومية ( القتل العرقي ) التي تجرعتها مدينة أورمية على يد الأرمن والعصابات الكـُردية بقيادة إسماعيل آغا سمكو بعد الحرب الكونية الأولى التي راحت ضحيتها خمسñ و عشرون ألفا ً من الآذرييين الأتراك حسب الأرقام الرسمية التي نشرها الباحث ( محمد سعيد اوردوبادي ) في كتابه الموسوم ( قانلێ سنه لر- السنوات الدامية ) والذي حققه مجددا ً الكاتب – بويوك رسول أوغلو – الذي جرى بيني وبينـَه مكالمات هاتفية طويلة حول هذه المذبحة حيث أفاد بأن الوثائق الرسمية الإيرانية تجمِلُ أرقام الضحايا الأبرياء بما لا تقلَ ُ عن خمسين ألفا ً في مدن أورمية و سالماس و سلدوز و خوي إضافة الى القصبات والقرى المحيطة بتبريز , وكان نصيب ُ أبي من هذه الفاجعة القومية إبادة جميع أفراد أسرته وأقربائه وذبحهم من الوريد للوريد أمام أنظاره وهو طفل ñ لا يتجاوز الخامسة من عمره أنقذته شجرة ñ في بستانهم تسلقها وأحتمى بها مختبئا ً طوال أيام المجزرة الرهيبة لا ينزل ُ منها إلاَ لشرب الماء من ساقية مجاورة , ولم أرى بعد ذلك والدي قويا ً متماسكا ً و جلدا ً يوصينا بمواجهة الموت برجولة إلاَ في الايام العصيبة لمجزرة الرابع عشر من تموز وخاصة بعد سماعه باستشهاد صديقيه ( إبراهيم رمضان ) و ( عثمان خضر ) حيث كان يهز َ رأسه ألما ً و حيرة ً وهو يردد ُ مع نفسه بوضوح بأن ( الكلاب َ المسعورة لاحقتنا بعقر دارنا ...
أين مدافع ( أنور اشا ) التي أطارت ( السماور ) من وسط إحتفال القتلة بمذابحهم في أورمية ...؟؟ )

( أنظر قصة – عطلة رسمية – المنشورة في موسوعة تركمان العراق ومجلة تموز ) ... كما لم أرى والدي إلاَ معتمرا ً القبـَعة مع صديق عمره و رفيق فاجعته المرحوم ( علي أسكندر ) والد الشاعر الشهيد خالد علي عرفاني والوجيه التركماني أحمد علي إسكندر و جدَ الكاتبين اللامعين فلاح يازار أوغلو و إستبرق يازار أوغلو , ويأتي هذا الاحتفاء بالقبـَعة تشبها ً بقائد أول جمهورية قومية ديمقراطية في آذربيجان محمد أمين رسول زاده و أتاتورك ..! هذا على المستوى الشخصي والعائلي , ... أما على الصعيد العام فإنني على يقين تأريخي تام بأن إتفاقية عام ( 1812 ) المشؤومة بين روسيا وإيران التي قسمت القلب الآذربيجاني الواحد الى نبضين في دولتين مختلفتين , طـُبقت فيما بعد ذيول هذه الاتفاقية بين إنلترا وإيران بعد قيام الدولة العراقية الحديثة في تقطيع أوصال مناطق النفوذ التركماني و خاصة مدينة أربيل عن آذبيجان الجنوبية , ولا أرى الآن العلاقة بيننا وبين تركيا الحديثة , وهذا حقنا الطبيعي مع جميع الناطقين بالتركية أينما كانوا , إلا وشيجة ñ ( سياسية ) بحتة حتـَم تماسكها و قوتها ظرف ñ إستراتيجي خاص وإستثنائي آملا ً أن يكون هذا التماسك في ذروة ذرائعيته , ولكن المنظومة الفكرية والمعرفية والتراثية واللغوية ( اللهجة ) والفولكلورية التركمانية وحتى على صعيد الأغاني الشعبية التركمانية , ( هناك أكثر من ثلاثين أغنية شعبية مشتركة بين تركمان العراق و آذربيجان ) كلـَها تشير ُ الى متانة الارتباط التأريخي مع آذربيجان , بالإضافة الى إرثنا الأدبي الخالد من خلال العمالقة فضولي و نسيمي و خاقاني في تحفته الخالدة ( تحفة العراقـَين ) مع مناصفتنا بأروع إرث تأريخي خاص الذي أعني به ( الخوريات ) عند تركمان العراق و ( بياتيلار ) في آذربيجان , هذا الارث الرائع الذي خصصت ُ له ندوتين دراسيتين و مسابقتين لاقتا إستحسانا ً منقطع النظير من قبل ممثلي الأتراك عامة في وتنبورغ ( السويد ) , مضيفا ً بأن لوي عنق الثقافة التركمانية بإتجاه تركيا ( فقط ..!! ) جناية لا تغتفر ترقى , بنظري , الى مستوى الفاجعة التي تعرَض لها شعبنا التركماني و الآذري في ( عقر ِ دارهم ) كما أفاد والدي ..!!!
وآذربيجان الجنوبية , شهدت تحولات تاريخية وإنعطافات سياسية و تحديات مشحونة بالإنتفاضات و الثورات والدماء , وأنجبت في تأريخها القديم والحديث شخصياتا ً ثورية و إجتماعية و ثقافية تحتاج الىموسوعة ثقافية و معرفية هائلة للإحاطة بها , إضافة ً الى كونها أرض العقائد والاعتقادات الضاربة جذورُها و معابدها , نارها و نورها , لأعماق التأريخ من السومريين و أتروباتان الى ده ده قورقوت و زاردشت و ماني و بابك وورأوغلو وهي مهد الفكر و الفن و الموسيقى , وقد أخذت حركة ُ الترجمة قبسا ً ضئيلا ً من هذا الإثر الهائل , في حين أولت هذه الحركة جلََ إهتمامها بترجمة الاثار الأدبية لشعراء من آذربيجان الشمالية لأسباب عقائدية و سياسية بحتة بعيدة عن الاستقراء المعرفي و التأريخي والجمالي , فظلت آذربيجان الجنوبية بمنأى عن هذا الاهتمام و الاستقراء والبحث التأريخي العلمي , وقد حثتني هذه الارض البكر لزيارتين الى – تبريز – مركز الإشعاع الثقافي القومي في ظرف بالغ القسوة والتعقيد مما عَرقل إهتماماتي المتواضعة في رَفد هذا الجانب فإكتفيت ُ بلقاءات ثقافية ومحاورات مع أشخاص أغنوا بعضا ً من تعطشي وتلهفي الى كتب أحتاجها فعلا ً , وغم هذا لم أتخلص من مضايقات ( إطلاعات ) ولي الفقيه , لأن زيارة تبريز غير مأمونة الجانب , لا بل مغامرة , من غير دعوة ò رسمية كالتي يحصل عليها بعض أدبائنا الذين يمشون وهم ينظرون لمقدمة أحذيتهم , ناهيك عن مغامرة لقائي هناك مع الذين قضوا أيامهم في السجون الآخوندية اكثر من مكوثهم في بيوتهم , وقد أوقفت هذه المغامرة زيارتي الثالثة المقررة الى أورمية واللقاء بالأديب الدكتور جمال آيرملو والشاعرة المبدعة زهرة وفائي ..!!!
لقد آلمني جدا ً حضوري لمعرض الكتاب في طهران , الذي دبَرتُ توقيتَ زيارتي مع إقامته , والذي لم أجد فيه شيئا ً عن آذربيجان الجنوبية ,لا شعرا ً ولا أدبا ً ولا فنـَا ً ولا لغة ً , فتأريخ هذا الشعب المشهود بآثاره الحضارية والمعرفية والعمرانية من آلاف السنين قبل الميلاد والتي لازالت ماثلة في كل الاراضي الإيرانية , أقولُ هذا التأريخ .. لا يبدأ بقدرة التفريسيين الاَ مع العصر الصفوي بفحيحه الطائفي , وكان المعرض ُ الذي أقيم َ تحت سرادقات واسعة خـُصصت مساحة هائلة منها للكتب الفارسية إستقطعت منها خيمة ñ صغيرة ( كشك ) لبعض الكتب الصفراء باللغة الآذرية التركية لا تصلح إلا لقراء الخرافات و الموهومات والمنابر الدينيَة , وقد نقلت ُ تساؤلاتي للمشرفين على ( الخيمة ) فجاوبني احدُهم بحدَة غير متوقعة بأنني جئت ُ للمعرض لأحقق معهم فقلت له ببرود ...لا ..جئتُ لأشتري ..!!!
إن آذربيجان الجنوبية لا زالت رغم كل الغزاة و الطامعين قطبا ً لمركز التفكير القومي الآسيوي و نواة ثقله الثقافي والحضاري الراقد ِ كالعنقاء بين صفحات كتب التأريخ , وإن كل ََ شخصياتها المعروفة التي قـُدر لي أن أتعرف على بعضها سواء ً في الداخل ( إيران ) أو في شمال أوروا موقنة تماما ً بأن أيام الإنعتاق من الظلم و التهميش و المصادرة باتت قريبة و دانية سواء بإقامة الفدرلة او الاستقلال من المركز التفريسي المعزول وإن مسافة خمسمائة كيلومترا ً بين تركمان العراق و آذربيجان الجنوبية ستـُختزل حتما ً في المنظور القريب , وهذا الهدف يحتاج الى مقدمات منطقية في تحضير البنية الفوقية , هذا هو محور تفكيري وإرصاص تطلعاتي ربما أشهدها في حياتي , ولكن متى كان إيمان الإنسان بالحق أوتيَ ثماره عاجلا ً ...!!؟
.. يكفي أن يلقي الانسان نظرة على قصيدة الشاعر القومي ( شهريار ) ليستشفَ هذا الاحتقان و المعاناة التي يجترعها شعبنا الصابر في آذربيجان الجنوبية التي أنقل ُ منها أبياتا ً باللغة التركية ..!!

ونلوم قوشو قناد الماز سنسز بير آن ... آذربيجان
خوش ونلرم يتمير مُدام خيالمنان ... آذربيجان
بوتون دنيا بيلير سنين قُدرَتنله ,دولتنله
آباد أولوب , آزاد أولوب , مُلكِ إيران ...... آذربيجان
وطن عشقى متبنده , جان ويرمى أورنمش
إستادمز دييب , هيجدر وطنسز جان .... آذربيجان
إييدلرن إيرانون شهيد أولوب , عوضنده
درد آلمسان , غم آلمسان سن إيراننان ... آذربيجان
أولادلرن نه وقته ت , تركِ وطن أولاجاقدر
أل أله وير , عصيان ايله , أويان ... أويان ... آذربيجان
شهريارن أوره يده سنن ي ت ياراليدر
آزادلقدر منه مرهم , سنه درمان .... آذربيجان .



المصدر: www.alturkmani.com
Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  نصرت مردان

1 - نوروز.. أقدم الأعياد في الحضارة العراقية القديمة
2 - شهادات من أيام الانتفاضة في كركوك
3 - أول فيلم روائي تركماني هل سيرى النور ؟
4 - في عيدها الواحد بعد المائة , استذكارصحيفة ( حوادث)ورائد الصحافة التركمانية أحمد مدني
5 - قصائد عربية لشعراء تركمان في (الموسوعة الكبرى للشعراء العرب ) 1956 ــ 2006
6 - شاخت السنوات و( الإخاء) لاتزال مجلة الزمن التركماني
7 - العراف بول
8 - توثيق بدايات الصحافة العراقية في العهد العثماني
9 - قطة الروائي جنكيز داغجي
10 - البرزاني في مفترق الطريق : ضم منفرد أم عزف منفرد؟
11 - (دوغوش ), أول صحيفة تركمانية معارضة للنظام السابق
12 - اليونسكو تحتفل بألفية محمود الكشغري
13 - (كركوك قيزي) ذلك الصوت البهي في ذاكرتنا الغنائية
14 - من يتذكر وليم ملفيل ؟
15 - مجرد سؤال..لكنه مُلح
16 - صباح الخير ياحمزة !
17 - رحيل الدكتور إبراهيم الداقوقي
18 - عندما كان الأكراد في الجبال, أين كان التركمان؟
19 - مفاجأة تفجرها منظمة الأزمات الدولية !
20 - هكذا تكلم بوش !
21 - حفنة من تراب كركوك على ضريح بلند أجويد
22 - ما الذي أفعله في مدينة أنتِ لست فيها ؟
23 - الثعلب والطبل
24 - قصيدة عمرها قرن تفضح باعة الوطن
25 - عزالدين كركوك أو النار التي لا تخبو
26 - الوطن ذاكرة للقلوب الأليفة
27 - عبد الرزاق عبدالواحد والـهراوة !
28 - مشهد من مجلس المبعوثان العثماني
29 - أيها الصديق الأجمل صبري طرابيه , ستبقى دائما معنا
30 - جاندار , الطالباني ونموذج بروكسل
>>التالي >>