Turkish Arabic
 
2012-01-05   Arkad‏‎na gِnder
5010 (2366)


الى ابي الراحل مع كل حسراتي


محمد هاشم الصالحي





اعلم يا ابي انك لن تقرأ عني هذا. فما عاد راحل من هكذا رحلة وما نعلم شيئا عن هذا المجهول ولم يبلغ عالم الاحياء شيئا من اخبارهم. لكنني مفعم بالامل و ممتلئ بالثقة فانك كنت تفاجئني على الدوام بما لا يخطر ببال بشر.
قد ياتي الشوق بروحك برهة الى غرفتي فتقرأ اسطري التي اتركها لك على طاولتي. ما عودتني على هذا الفراق قط. كنت معي في كل تفاصيل حياتي في دراستي في طعامي في شرابي في ملبسي حتى عند نومي كنت تهيئ لي فراشي لانعم بنوم رغيد.
ليتك ابي تقرأ هذا.. ليتك ابي كنت يوما تجرحني.. ليتك كنت تهمل لي طلبا ولو لمرة. ليتك لم تكن تلتفت الى كل مطاليبي كي اتذكر ذلك واقلل من لوعتي واشتياقي واطفئ شيئا من ليهب حسراتي.
ما الفتك تهجرني وما غادرت شيئا مني لترحل اليوم فجأة الى بعيد البعيد حتى امسى الوصول اليك من المحال. ما الفتك تترك الدمعة في العيون تنال مني دون ان تمسحها لاجدها تحفر في خدودي انفاقا وتشق في وجناتي سواقيا وانهارا.
رحيلك يا ابي زلزال ضرب مدينتي, هزني من الاعماق, هدم صرحي, كبل يداي افقدني صوابي. تغيرت كل المسميات فما عاد البيت بيتا ولا الطرقات طرقات. ما عاد الحلو حلوا ولا الطعم ذاك الطعم. اعضائي بدأت صفحة جديدة من العمل والنتاج فما العين تخبرني عن الاخضر والماء ولا عن الوجه الحسن. ولا سمعني يخبرني عن الجمال ولا صوت يطربني. حتى قدماي لا تسيران الا الى مدفنك يا ابي. تسللت الى المجهول او تسلل المجهول لينال منك. وقد تكون قريبا منا كما كنت على الدوام وقد لا احتاج الى ترك قصاصتي هذه على الطاولة لتاتي وتقراها وقد تكون الان معي وانا اسودها واذرف الدموع عند كتابتها.
لا اخفي عليك ايا ابي انني قد توقفت عن البكاء بعد هجرك ولم اعد ابكي ليس لكوني سئمت البكاء وليس لانني تعبت من البكاء وذرف الدموع لكنني تيقنت بان البكاء لا يساوي شيئا الا السخرية امام مصابي الجلل بفاجعة رحيلك.
اربعون عاما بالتمام اقضيناها معا لترحل عني يوم احتفل بعيد ميلادي.. كأنك اخترت يوم رحيلك وكانك تقول لي الا يكفيك الاربعون عاما من مودتي؟ لا الاربعون ولا اربعون مثلهم تكفي وانا احس الاربعون عاما وكانها اربعون دقيقة. وكانني الطفل الذي كان يترقب عودت ابيه الى البيت ليرتمي في احضانه ويحس بالامن والامان وينعم بالطمئنينة.
يا مصدر سروري.. يا غروري وعزتي.. يا عنفواني.. يا مبعث فرحي.. يا خازن همي يا نور عيني يا ابي. كل الطرقات تسالني عنك. ازقة فارقتها وتركت المرور بها لانها تلح بالسؤال عنك. ماذا اجيبهم؟ فما عرفوا عنك الا الوفاء وما عهدوك الا كريما تسال عنهم دوما.
ماذا اجيب.. حتى الاعين تنظر الي وكانها تسالني عنك. فماذا اجيب حمدي و مصطفى؟ اينار تنتظر قدومك و ايوب بدأ يتهجى اسمك ومريم لا تقدر الكلام لكن في عيناها كل الكلام. مؤمن يعتقد عودتك وابراهيم يعي ان طريقك لا رجعة فيه ومرسى تهمس في مسامع سارة باسمك وايدن الذي يحن اليك فماذا اجيبهم؟
اي ايلول هذا الذي ولدت انا فيه وولد ايوب. اي ايلول هذا الذي رحلت في السادس عشر منه امي لتلحق بها في الخامس منه. اه يا ايلول.. لو كنت مقتدرا لما تركتك تلعب بقدري.. لو تمكنت منك لامسكتك من يديك لامسحك من صفحات مذكراتي.
دلني يا ابي كما كنت في حياتك.. ما السبيل اليك؟ ارشدني كيف السبيل لانساك؟ وهل انت شيئ ينسى؟ هل اقدر على مغادرة مدينتي؟ انت وطني انت ارضي انت شعبي انت زرعي انت مطري وشمسي بل انت كل انفاسي يا ابي.
كنت تهاتفني احيانا واليوم احسب كل رنة هي رناتك لافاجئ بغيرك واصيب بخيبة امل.
كنت احسب الدنيا لهوا ولعبا وانت تلبي لي كل ما اريد وامي تدفئ غرفتي وتحضر لي كل ما تشتهي نفسي. كنت اظن الدنيا ستبقى كذلك الى اللانهاية كنت احسب انني سابقى بينكم ابي وامي وتصنعان لي كل جميل لافاجئ اليوم ان دوام الحال من المحال. ها انا ذا وحيد في غابة البقاء فيه للاقوى ولا موضع فيه لغير القوي. وكأن الزمن يقول لي انك ساذج, انت ستغادر كل شيء وكل شيء سيغادرك.
ابي كتبت لك هذا عسى ان تصلك شيئا منه. ولا بد يوما ان نلتقي لنعود وكما كنا.. لكن الى الابد هذه المرة.



Arkad‏‎na gِnder

Yorumlar:

عظم الله اجركم بصبركم
بارك الله فيك من ولد صالح يدعو لابيه و يستغر لابيه فهو السبيل الى مرضاة الله و والبر بالوالدين, رحم الله والدكم واسكنه فسيح جناته
محمد ساقي باقي البياتي
اشكركم جميعا
احبتي قراءة مقالتي الاخ احمد هجران والاخ محمود والاخ انس الونداوي و الاخ دلشاد ترزى والاخ الدكتور غازي هموند والاخ عبد القادر حجي اوغلو.
اشكركم على تعليقاتكم الغالية التي واستني من القلب. كلماتكم كانت في الصميم وكانها ماء بارد سكب على نيران قلبي ليطفئ لهيب حسراتي. انا ممتن لكم جميعا حفظكم الله ورحمة الله تعالى على موتانا وموتاكم وموتى المسلمين. امين
محمد هاشم الصالحي
الى رحمة الله
لاادري هل اباركك اخي العزيز على هذه الاسطر الجملية ام اواسيك على حزنك.. فقدان الاب صعب جدا لقد شهدت هذا قبل نحو عام وفقدت والدتي قبل اكثر من سبع سنوات.. عندما كنت طفلا لم اعرف الموت كنت اتخيل ان والداي سيعودان طفلين بعد ان يشيبا ونحن من سيهتم بهما لكني بعد ان ادركت وجود الموت قلقت كثيرا من فقدانهما لم اكن استطيع التفكير العيش بدونهما .. لكن هذه حقيقة مثلما دفنت والدي سيدفنني ابنأي في التراب.. هذه هي الحياة قصيرة جدا .. وليرحم الله امواتنا واموات سائر المسلمين ...
عبدالقادر حجي اوغلو
زلزلة المشاعر
لا يسعني الا ان ابارك هذه الابوة العظيمة التي تركت كل هذا الحب والالم بعد الرحيل الى جنات الخلد بعونه تعالى , واشد من وزر هذا الابن الصالح الوفي المثال النادر الذي ومن خلال وصف معاناته وحزنه وتعبيراته الراقية زلزل قلوبنا معه ...
د غازي هموند
allah rahmet eylesin
Mehmet kardes yazinizcok guzel ve anlamli. Merhum babaniza Allahtan rahmet dilerim
size de sabir. Hatirliyorum Erbilde babanizla gorusmustum. Sema hastanesine gelmistiniz sonra Bagimsizlara Kenan abeye gitmistik. Saygilar
dilsatterzi
كلمات صادقة
والله إني لأحس أنها كلمات صادقة كتبت والدموع تنهمل من عين كاتبها ، كيف لا تنهمل ؟!!! وقد ابكت هذه الكلمات عين قارئها !!
حفظك الله عز وجل يا أستاذ محمد أبنا بارّا بوالديه ، فدعوتك لوالديك هي التي لا تنقطع عنهما أبدا ... ودعوتك هي ذخرهما. لأن ثلاثة أشياء لا تنقطع عن المسلم المفارق لهذه الحياة الفانية.. منها (... أو ولد صالح يدعو له) بنص الحديث النبوي
انس الونداوي
بارك الله فيك
كلماتك اطرب نفسي وادمع عيني فلا شيء اغلى من الوالدين ياليتنا احسنا اليهم وقدرناهم حق قدرهم ،ياخي اباك ممكن عاش وشاهد احفاده والحمد لله وماذا عن الذي فقد اباه وهو في العقد الاول من عمره دون ان يتمكن ان يكلمه جملة مفيدة واحدة مدى حياته ورحل عنه والده.
محمود
أستمر...
لا فض قلمك أخي.. أحس بك وبألمك لأنني أعرفك كما عرفت أباك (رحمه الله) ولأني أعرف ما كنتم عليه من صداقة..
كتبت في أدب الرثاء مبدعا كما كنت من قبل في الكثير من كتاباتك..
ألثم جراحك وأستمر..
أحمد هجران


 كتابات  محمد هاشم الصالحي

1 - وصــيّة
2 - التعليم أيام أمي
3 - الأستاذ أكرم حموش ذاك المدير القاسي
4 - ماذا لو كنت وزيراً؟
5 - ثقافة المقاطعة وثقافة التذمر
6 - السجل العمومي لـرائد الصحافة التركمانية (احمد مدني قدسي زاده)
7 - بهاء الدين سيويملى وقطار الذكريات والعطاء
8 - وطن جاهز
9 - الحسنات لوجه الله ام لعبد الله
10 - تفاؤل
11 - بلاســـتيك معــــاد
12 - الورقة تتكلم
13 - التركمان من الثقافة إلى السياسة
14 - عطالــة
15 - قانون الإنتخابات وإنتخابات نيابية سنوية
16 - ايســف
17 - الحسب أم النسب في خدمة القضية
18 - قبل وبعد المنصب
19 - في حيينا جامعان
20 - ساري العبد الله
21 - حيــاة متقـــاعد
22 - دعـــاء
23 - لمطلوب إثبــاته
24 - تـدرج وظيـفي
25 - الخـير يخـص والشـر يعـم
26 - وزيــر تركمــاني
27 - خارج اسوار المقبرة
28 - العـم مهـدي عسـكر
29 - بعض الظن
30 - متين عبد الله وحكاياته المدرسية
>>التالي >>