Turkish Arabic
 
2011-07-02   Arkad‏‎na gِnder
3373 (1172)


خِربة ( حَسن قولو )


فاضل ناصر كركوكلي


قصة تركمانية

ليلعنك الله الى يوم ِ القيامة ..
ليلعنك َ الله أينما كنت َ في هذا الزمن الكافر يا حسن ..
كيف َ تسنـَى لك ان تسحب َ ساقك َ العرجاء لتتركنا طعما ً لغدر الأيام يا عديم الوفاء يا ظالم ..؟
مِن أين أطعم ُ صغارك من بعدِك يا قاسي القلب ..؟
ليتني كنت ُ عاقرا ً أيها المجرَد من الضمير والوجدان , أيها الخالي من الشهامة ِ والشرف .....
كيف َ تترك إمرأة ً ضعيفة مع أفواه صغار ò أربعة تزقزق طوال النهار من الجوع ...؟؟
ليتك َ كنتَ هنا لتنظر الى ثيابهم المرقـَعة والى سيقانهم التي لا تقوى على حملهم والى أحداقهم المفتوحة على إتساعها خوفا ً من مآلهم البائس , نعم , لتنظر بعينيك اللـَتين يصيبهما العمى إن شاء الله يا عديم النخوة والرجولة , آه .. لا أدري كيف أذعنت ُ لك راضية ً ووضعت ُ رأسي المكدود فوق صدرِك القاسي كالحجر يا ناكر َ العِشرة و مفرَق َ القلوب و قاطع َ الأرحام و ُمحطـَم الآمال و هادم َ البيوت يا حسن .. يا قولو ... ليلعنك الله و يفتح قدامَك أبواب َ الجهنم في غدوِك و رواحك يا إبن أمة ِ الأباليس و عبدة السعالي و شاربي الصديد و الزقـَوم ..!!
فليشهد علي َ الآن جميع الجيران وأنا ارفع صوتي عاليا ً بأنك َ لم تترك لنا في فناء ِ هذه الخِربة المتهالكة غير طاحونة ò تكسوها الطحالب ُ و الدِمن و يتراكم عليها زرق ُ الغربان و خراء ُ الهوام و بأنك َ قايضت َ بغلـَنا الضامر بأتان ò حرون هرب من الطاحونة ِ بمجرد ِ ما دخل هواء ُ الربيع بمنخارهِ فبقيت َ تتقافز ُ ورائه بساقِك العرجاء حتى غِبتما عن الانظار معا ً في السُهبِ , ثم قبعت َ طِوال الخريف في باحة الخِربة تندب ُ حَظـَك العاثر و تلـَف تبغ َ سكائرك حالما ً بحصان ò شديد ُ البأس برقبة ò قوَية وقوائم ò ُقدَت من حجر ò صوَان يسحب ُ الطاحونة َ فوق صخور ò مسنـَنة حتى أعالي الجبال , ثم تناخيت َ شرفا ً بعد أن جرعت َ نصف قنينة عَرق من رأس الفـُوهة مباشرة ً و انبريت َ تهوي بقبضتِك
على صدرِك المُشعر أمام أطفالك المشدوهين بأنك َ تعمل ُ المستحيل من أجل ِ الخِربة تزرع ُ فيها الشقائق َ البرَية وتسقيها الماء َ الزلال و تعلي أسوارَها أمام السرَاق و تجعلَ حتى عمائم الصيف تهمي قطرا ً فوق رؤوسنا ثم قبعت َ غافيا ً تحت الشمس المفروشة أمام غرفتنا المتداعية في الخربة حتى أجهزت َعلى آخر ِ نتفةò من التبغ في كيسك المتسخ و إلتهمت َ كل ََ مؤونة الشتاء في العنبر , وأخيراً وضعت َ عِدل َ الاتان ِ على كتفك و تسللت َ من الخِربة في منتصف ِ الليل هاربا ً تحت جنح ِ الظلام بدون أن تنبس بكلمة ...!!
بدأ القمرُ المحتبس طويلا ً بين الغيوم يتدحرج ُ نحو خِربة ( حسن قولو ) المنزوية في بقايا جدران ò متهدَمة مركونة خلف أسوار ِ ( باب الطوب ) في قلعة كركوك , ثمة َ ظلال تتهادى برفق في ضوء ِ القمر ترتعش في أنوار ò خافتة تنوس ُ حول َ برذعة ò قديمة و مخلاة ò لا زالت في قعرها بقايا تبن ò مهروس تحولت الى هشيم ذو رائحة نفـَاذة إنتشرت بين الاحجار الضخمة التي تكومت في أقصى زاوية الخِربة يتوهَج ُ في لصقِها تنـَور ñ صغير تطقطق ُ فيه شرارات ُ الحطب والبَعر تنحني فوقه إمرأة ñ متـَشحة بالسواد يضفي الوهج ُ لعصَابةِ رأسها و نصفِ وجهها الطويل ومضاتا ًخاطفة في حلكة الليل , تتكأ المرأة ُ على الملقط الحديدي للتنور وتدمدم ُ مع نفسها بصوت òمسموع يتعالى ليصبح أنـَاتا ًهادرة ...
نعم ..نعم ... ياحسن يا إبن الأوادم إنك َ لم تنبس حتى بكلمة ِ وداع ò تثلج لهيب َ صدري , ولم تقبـَل خدود َ صغارك المخطوفة ِ الوانـُها من ألم ِ الجوع .., فها أنا أقول ُ بالفم ِ الملآن ليشمت َ بي الجيران ُ ما شاؤوا بأن قلبي الآن يحترق ُ عليك رغم كل سفالاتِك يا عديم الإحساس لأنك َ لازلت َ وستبقى الى الأبد أبا ً لأطفالي و سقفا ً لجداري و ركنا ً لملاذي .. آه .. لو لم تعلم مدى لوعتي لدفءِ أحضانك ومدى إشتياقي الى صمتِك و شرودك الدائم والى إبتساماتِك المشرقة من تحت شاربيك الكثـَين والى أعماق عيونك التي كانت تلتهم ُ جسدي كل ََ يوم و أنت َ متربـَع ñ على دكـَةِ الطاحونة تقضم ُ أطراف َ شاربيك الصهباوين و تمسح َقطرات َ العَرق عن جبينِك المتغضـَن وكانت أجمل لحظات عمري حين كنت ُ أجلب ُ لك قربة َ الماء في أوقات راحتك عن العمل أو أقلب ُ لك َ البرغل َ المطبوخ توا ً و أحملـُه اليك مع رأس بصلة ò نيئة قبل أن .. قبل أن ... قبل أن تزدرده ُ سمَا ً .. يا إبن الكلب يا حسن ... والآن مرَت على رحيلك عنـَا شتاءات ñ مريرة إنطحنت فيها أمعائـُنا لهفة ً للقمة ò تسد َ أودنا يا معدوم الوفاء ... ليتها قبورُ ( المصلـَى ) (1) تفتح ُ أشداقـَها لتبتلعني من بعدك , فالموت ُ أشرف ُ لي من هذه العيشة الدنيئة التي أمدَ ُ فيها يدا ً ذليلة للناس لأطعم صغارَك خبز َ النخالة و نحن أصحاب ُ طاحونة ò تهتز َ ُ التلال ُ من دوي دورانها لتدرَ لنا ذهبا ً, ماذا كان ينقصنا يا حسن يا إبن الحثالات غير بغل ò لا يفكر ُ الا بالتبن ليجعل َ المتربـَصين بنا يموتون غلا ًَو حسدا ً والذين يتقوَلون الآن بشماتة أمام أرنبة ِ أنفي إفتراءاتا ً جارحة بأنك َ نفقت َ كالجحش ِ ميتا ًبين أحضان العاهرات في بلاد ِ الغربة و إنكَ قطعت َارض الله الواسعة سيرا ً على ساقِك العرجاء لتستجدي الخبزَ من الناس ولتنام في خانات تشبه الزرائب بعد أن تقفل َ الحانات ُ أبوابَها , وبعد كل هذه التخرَصات علنا ً بدأت النسوة ُ تحرَضن نغولتهن علينا ليهاجموا الخِربة بالحجارة لإخراجنا من الحارة عنوة ً فإشتكيت ُ أمرهن للمختار الذي قال لي بالحرف ِ متهكما ً بأن ( بيتا ً بلا رَجُل ò ولا أسوار تأتيه الحجارة ُ من السماء .. يا مجنونة ..) .. نعم يا حسن قولو لقد أصبحت ُ بنظر الناس مجنونة بعد رحيلك , أكلـَم الحيطان وأفزع ُ بشعري المنفوش وأسمالي الرثة صغارَ الحارة الذين يتقافزون من ورائي بالصيحات كلما لمحوني بالأزقة , وسبب ُ كل هذا البلاء هو أنت يا حسن فلولا غيابك عنـَا ما كان يتجرأ أثخن ُ شارب بالحارة ِ على المرورِ حذو الطاحونة ولا تقدر النساء ُ على تحريض ِ أولادهن للقيام برجمنا وكأننا كلاب ñ جرباء سائبة ....
إنقذني يا إلهي بجاه ِ أوليائك من هذه المحنة , انجدني لأجل صغاري وفلذات أكبادي الذين يتضورون جوعا ً , أين كراماتهم أيها الاسياد , أين أنتم أيها المباركون بالمعجزات , إنقذوني من أنياب ِ الوحوش و مخالب اللئام , إنجدوني , النجدة , النجدة .... النجدة ... الـ ....
في منتصف ِ الليل , يتوسط القمر ُ سماءَ الخِربة ِ تماما ً , تنفتح ُ نوافذ ُ الجيران دفعة واحدة لتطل ََ منها رؤوسñ شوهتها ملامح ُ الغضب ترسل ُ سيل َ الشتائم و اللعنات يعقبها وابل ُ الحجارة ِ والقناني الفارغة وفردات أحذية ò عتيقة تنهال ُ صوب َ الخِربة , تترك المرأة ُ من يدها الملقط َ الحديدي للتنـَور مرعوبة لتهرول نحو الغرفة وتسدََ بابَها المتداعي بقوة , تتلمس ُ في ظلام الغرفة أولادها الذين إستفاقوا من النوم فزعين على هدير اللغط الصاخب ثم تصرخ مستنجدة من أديم عتمة الغرفة بأعلى صوتها بشكل هستيري فيختلط ُ عويلـُها و صراخـُها الحاد ببكاء ِصغارها المذعورين الذين يتدافعون كالعميان نحو زوايا الغرفة الخانقة , تبدأ أصوات ُ الرجم و شتائم ُ الجيران بالتراخي و الخفوت حتى ُيخيم سكون ñ تام في جنبات الخِربة فلا يُسمع الاَ الأنين َالخافت والمتقطع للمرأة و أنفاسَ صغارها الرتيبة الذين بدأوا يغطون بالنوم , يرفع ُ أحد ُالأطفال رأسه من حضن ِ المرأة ليحبو مقتربا ً بكل تؤدة من خصاصاتِ باب الغرفة لينظر بتوجس ò الى باحة ِ الخِربة التي بدت في تلك اللحظةَ الساكنة تتنهد ُ بأنفاس ò متراخية دافئة في الضوء الأزرق الكامد للفجر فترآى للصغير في النور المغبش شبح ُ حصان ضخم يطرق الأرض بقوائمه القويَة واقفا ً في فناء الخِربة وعلى مقربة ò منه ظلال ُ رَجُل ò متلحف ò ببرذعة قديمة يتوسَد ُ دكة َ الطاحونة , يتراجع ُ الطفل ُ من الباب لينحشرَ في أحضان ِ المرأة متثائبا ً ... بنشوة ...!!


فاضل ناصر كركوكلي
كوتنبورغ – السويد

( 1 ) المصلى / من اكبر المقابر التركمانية في كركوك



Arkad‏‎na gِnder

Yorumlar:

isvec
eline ve yuregine saglik .cok zarif ayni zamanda cok anlamli.basarinizin devamini cani yurekten temenni ederim.
yavuz ilkay


 كتابات  فاضل ناصر كركوكلي

1 - الابداع في الغربة ..
2 - الثقافة والسياسة في المجتمعات الصغيرة
3 - نقوشñ على أحجار ò منسيَه-الجزء الاول
4 - هارداسان ...؟؟
5 - من دفاتري ... شخصيات من آذربيجان الجنوبي ( إيران )الشاعر الكبير ( سيد أبو القاسم نباتي )
6 - لماذا أثارت مقالة الاستاذ ( توركيش مختار أوغلو ) حفيظة بعض الكتاب والمثقفين التركمان ..؟؟ ]
7 - تناقضات ...!!
8 - الفنـَان ( يشار صبحي ) والكاريكاتير التركماني
9 - التركمان وثقافة التسامح
10 - تداعيات بعد توقف الموقع الفكري الرائد ( موسوعة تركمان العراق ) ...!!
11 - الفنان فاروق فائق عمر ... رسالة مبدع حقيقي
12 - إلى مَن لا يهمَهُ الأمر – ( القسم الثاني )
13 - من دفاتري ... شخصيات من آذربيجان الجنوبية:الاستاذ علي سليمي ... وأغنية الفراق ( آيريليق )
14 - إسكيتشات منوَعة ...
15 - قصَتان ...
16 - من دفاتري ... شخصيات من آذربيجان الجنوبية ...الشاعر الشهيد علي رضا نابدل ( أوختاي )
17 - من دفاتري ... شخصيات آذربيجانية - المرحوم محمد علي فرزانة ... و ملحمة ( ده ده قورقوت ) القسم الثاني
18 - من دفاتري ...شخصيات من آذربيجان الجنوبية .. محمد علي فرزانة - القسم الاول
19 - كل رثاء وأنتم بخير
20 - المثقف التركماني بين التبعية واللامبالاة - القسم الرابع
21 - سلاماً ... المخرج السينمائي القدير محمد توفيق
22 - المثقف التركماني بين التبعية واللامبالاةالقسم الثالث ..
23 - المثقف التركماني بين التبعية واللامبالاة - القسم الثاني
24 - دور المثقف التركماني بين التبعية واللامبالاة - القسم الاول
25 - ( القسم الثاني )حوار مع الفنان المعروف برهان صالح
26 - حوار مع الفنان المعروف برهان صالح ( القسم الاول )
27 - الشاعر المبدع ( عدنان عادل )
28 - من دفاتري ... شاعر من آذربيجان الجنوبي - حبيب ساهر
29 - من دفاتري..بولوت قاراجورلو ( سَهَنْد) شاعر أذربيجان الجنوبية – إيران –
30 - شكراً على إستضافتنا
>>التالي >>