Turkish Arabic
 
2010-03-13   Arkad‏‎na gِnder
3089 (1824)


جوامع بغداد خلال الحكم العثماني



جامع المرادية : وهو يمثل الطراز المعماري الأول

يعرف جامع المرادية بجامع الميدان لوقوعه في محلة الميدان القائمة في باب المعظم مقابل مبنى وزارة الدفاع, أمر بإنشاء هذا الجامع الوالي مراد باشا سنة (978هـ/1571م)(1) الذي قام بأعمال عمرانية كثيرة.

لا تشير المصادر التاريخية إلى تاريخ البدء في بناء الجامع, كما أننا لم نعثر على كتابات منقوشة على جدران المبنى تذكر لنا تاريخ البدء في البناء(2), إلا أن الشاعر فضلي بن الشاعر فضولي ذكر لنا تاريخ البناء بأبياته الشعرية التي أنشدها في حفلة افتتاح المبنى, وذلك سنة 978هـ/1570م. وأشار الألوسي إلى أن هذه الأبيات دونت على واجهة باب مبنى الجامع بخط الخطاط حسن علي الكاشاني, ولما جددت عمارته أتلفت هذه النصوص. وهذه الأبيات تؤيد ما ذكر بأن تاريخ الانتهاء من البناء كان سنة 978هـ/1570م, وهذا ما تؤيده النصوص التاريخية التي أشار إليها الرحالة ومنهم
أوليا جلبي.

وقد مرَ على بناء الجامع أحداث كثيرة, منها صيانة المبنى عام 1307هـ/1889م من قبل الحاج حسن رفيق باشا(3), وفي عهد الوالي نامق باشا جدد بناء الجامع. ونتيجة للدمار والخراب الذي أصاب الجامع أصدر السلطان عبد الحميد خان الثاني بن السلطان عبد المجيد أمره بإعادة بناء الجامع على أسسه القديمة, وكان ذلك سنة 1319هـ/1901م, واستمر العمل فيه حتى سنة 1320هـ/1902م كما هو مدون على واجهة مدخل الجامع. وهذه الكتابة تمثل أبياتاً من الشعر أنشدها الشاعر عبد القادر البغدادي في ذكرى الانتهاء من بناء الجامع, وفي آخر الأبيات دونت سنة (1321هـ/1903م).

الوصف المعماري للمبنى :

يعتبر جامع المرادية من أجمل وأشهر الجوامع التي أقيمت في تلك المرحلة التاريخي, ويعده الألوسي مفخرة لبغداد. ونظراً لجمال زخارفه, فهو يعتبر أحد عجائبها من حيث متانة البناء وارتفاعه. وهو جامع كبير يشغل مساحة مقدارها1899 متراً مربعاً, يتألف من بيت الصلاة الذي يحتل قطعة من الأرض مستطيلة الشكل قياسها 10/51/40م. ويشتمل المصلى على أربعة أعمدة رخامية, قسمت بيت الصلاة إلى ثلاث بلاطات عمودية على جدار القبلة, أوسعها البلاطة الوسطى التي بلغ عرضها 10م, في حين بلغ عرض البلاطة الجانبية 4م. يعلو هذه الأعمدة تيجان ذات شكل مخروطي ناقص, وهذا النوع من
التيجان يعد من مميزات عمارة مساجد بغداد التي بنيت في تلك الحقبة, إذ نجدها في بناء جامع سيد سلطان علي, وجامع الخاصكي, وفوق هذه الأعمدة الأربعة تقوم ستة عقود مدببة قائمة بصورة عمودية على جدار القبلة. ولكي يتمكن المعمار من تحوير الجزء العلوي من المربع إلى مثمن لإقامة القبة, أقام عقداً آخرَ في الزوايا الأربع لبلاطة المحراب. تحصر هذه العقود بين أكتافها مثلثات كروية, وقد قسمت هذه المثلثات إلى صفوف من المقرنصات ذات مستويات مختلفة, يتوج كل مثلث من هذه المثلثات أنصاف المقرنص. ونتج عن إقامة هذه المثلثات تحويل الجزء العلوي المربع لبلاطة
المحراب إلى مدور لإقامة الرقبة التي ترتكز عليها القبة. هذا فيما يتعلق بعقود ومراحل انتقال بلاطة المحراب, أما البلاطة الجانبية, فقد احتوت على صفين من العقود المدببة, قسمت البلاطة إلى ثلاثة أقسام مربعة, وأقيمت بين هذه العقود مثلثات كروية, قسمت إلى عدة صفوف من المقرنصات على غرار مقرنصات مثلثات بلاطة المحراب, وقد اختلفت أحجامها وعددها باختلاف حجم المسافة التي تقوم فيها القبة والمقرنصات.

التقبيـة :

لا شك أن تغطية بيت الصلاة في جامع المرادية تعد من أبرز الأمور العلمية التي نجح فيها المعمار إلى درجة كبيرة, إذ استخدم سبع قباب مختلفة الأحجام, أكبرها القبة الوسطى القائمة فوق بلاطة المحراب, سعتها عشرة أمتار, وارتفاعها10.5 متراً. وقد امتازت قبة بلاطة المحراب بكبر حجمها وشكلها النصف كروي. والقبة نصف الكروية كانت معروفة في العمارة العراقية, إلا أنها تطورت خلال الحقبة التي تتحدث عنها, وذلك لاتساع القاعة الوسطى التي تتوسط المصلى. هذا فيما يتعلق بقبة بلاطة المحراب, أما البلاطة الجانبية, فقد نجح المعمار في تسقيف البلاطتين الجانبيتين
لبلاطة المحراب, وذلك بإقامة ست قباب صغيرة من نوع القباب نصف الكروية, ثلاث فوق كل بلاطة, أكبرها القبة الوسطى, وكل قبة من هذه القباب تقوم على مثلثات قائمة بين أكتاف العقود كما سبقت الإشارة إلى ذلك.

ازدانت هذه المثلثات القائمة بين أكتاف العقود بأنها ذات مستويات مختلفة متوجة بأنصاف المقرنص يحيط بالقبة, مما جعل حافة محيطها مسننة الشكل تشبه تسنن حافة الصينية, ونتيجة لهذا التشابه فقد سميت بالقبة الصينية.

يحيط بيت الصلاة جدران سميكة عرضها 2.20م فتحت فيها نوافذ, بعضها أقيم في الجزء السفلي, وبعضها الآخر أقيم في الجزء العلوي لغرض الإنارة والتهوية. يتوسط جدار القبلة محراب مضلع ذو قطاع مخمس ينحرف عن اتجاه القبلة بمقدار أربع درجات, ومن المعتاد أن ينحرف المحراب في مساجد بغداد 17 درجة إلى الجنوب الغربي, وفيما يتعلق بتخطيطه نرى تخطيط محاريب مساجد بغداد في تلك الفترة تنقسم إلى نوعين من المحاريب المجوفة :

تجويف ذو قطاع مخمس, منها محراب الجامع الذي نحن بصدد الحديث عنه, ومحراب جامع الحيدر خانة, والأحمدي. وإلى يمين المحراب في جامع المرادية يقوم المنبر, وهو ملتصق بجدار القبلة, وقد استخدم في بنائه الآجر والجص, وغلف بألواح من الرخام. ومما لوحظ أن معظم منابر مساجد بغداد بنيت من الآجر, وغلفت ببلاطات خزفية فيما عدا منبر جامع الحيدر خانة الذي استخدم الرخام في تغليفه. وفي جدار مؤخرة بيت الصلاة باب يؤدي إلى سلالم قائمة في سمك الجدار توصلنا إلى المحفل, وهو عبارة عن شرفة تقوم فوق دهليز المدخل, وأحياناً تبرز عنه. يطل المحفل على بلاطة المحراب
بسور من خشب الخرط, أما سقفه فقد اتبع المعمار طريقة جديدة لم تكن معروفة من قبل, إذ استخدم المعمار قبة صغيرة وعلى جانبها تقوم نصف قبة ترتكز على مثلثات كروية قائمة في الأركان.

الـرواق :

يؤدي الدهليز الذي يتوسط جدار مؤخرة بيت الصلاة إلى باب يقوم على جانبيه الأيمن والأيسر بابان آخران. هذه الأبواب الثلاثة تطل على الرواق القائم أمام المصلى. ولهذا الرواق فائدة معمارية, إذ يحمي المصلى من الظروف الجوية من جهة, ومن جهة أخرى يستخدم للصلاة فيه عندما يضيق بيت الصلاة بالمصلين. ويلاحظ احتواء الرواق في كل مساجد بغداد على محراب مجوف. والرواق عبارة عن مبنى مستطيل الشكل قياسه 4x25م وارتفاعه بارتفاع مبنى بيت الصلاة, واتبع في تسقيفه نفس الأسلوب المتبع في تسقيف البلاطة الجانبية القائمة في بيت الصلاة, حيث أقيمت خمس قباب أكبرها
القبة الوسطى التي تقوم أمام الباب الأوسط للمصلى. ومما يلفت النظر في بناء الرواق هو أنه يطل على الفناء بثلاث فتحات واسعة وعميقة متوجة بعقود مدببة, واستخدم القبو في تسقيف الفتحة الجانبية, ونصف قبة مضلعة في تسقيف الفتحة التي تتوسط الواجهة.

إن هذا الطراز العماري لم يسبق مشاهدته من قبل في بناء مساجد بغداد, وبذلك يمكن القول إن جامع المرادية استخدم في بنائه هذا الطراز الجديد لكي يضفي على واجهة الرواق نوعاً من الأبهة والعظمة, ومن ثم نرى هذا الطراز شاع في بناء مساجد بغداد التي بنيت من قبل الولاة.

ومن المميزات العمارية للجامع, احتواء الجامع على مئذنة تقوم في الركن الشمالي الغربي من جدار الرواق المطل على فناء الجامع تقوم في سمك الجدار, وهي تشبه مآذن بغداد التي أقيمت خلال العصر العباسي, أي أن المئذنة البغدادية احتفظت بطرازها الخاص بها دون التأثر بطراز المآذن العثمانية التي تتكون من بدن أسطواني ينتهي بشرفة واحدة أو أكثر, أما قمة المئذنة, فهي ذات شكل مخروطي مدبب مكسوة بالرصاص. هذا الطراز شاع في معظم أقطار العالم الإسلامي والعربي فيما عدا العراق.

لقد امتازت مئذنة المرادية دون غيرها من مآذن بغداد بكساء بدنها الأسطواني ببلاطات خزفية ملونة ذات ألوان زاهية ازدانت بأشكال مختلفة تمثل زهريات وسلالاً تخرج منها باقات من الأغصان والأزهار (ورد الجوري). وقد تصدعت جدران هذه المئذنة أثر الحرب على العراق عام 1990 , ولما أعيد بناء المئذنة بنيت بطراز مختلف عن طرازها الأول.

المدرسـة :

كما قلنا سابقاً, يطل الرواق على فناء واسع يحيط به مجنبات. احتوت هذه المجنبات على مجموعة من الغرف والقاعات, ودورات المياه, ومحل للوضوء, وفي أرضية هذه المباني سابقاً كانت تقوم مدرسة الجامع(4) التي خصصت لتدريس العلوم العقلية والفقهية. واستناداً إلى المصادر التاريخية, فقد بقيت هذه المدرسة قائمة فترة طويلة, وأن آخر من درس فيها العالم قاسم القيسي مفتي بغداد(5), وهذه المدرسة هدمت مع بعض المباني الأخرى.

إن فكرة إقامة المدارس ضمن بناء الجامع جاءت نتيجة حتمية لكثرة بناء المساجد والجوامع في المدينة الواحدة. ولم تبق الحاجة إلى بناء مساجد كبرى, فصغرت مساحتها وأدخلت فيها المدارس, فأصبح الغرض من بناء المسجد مزدوجاً º لأداء فريضة الصلاة والتعليم في آن واحد. ومن بين المساجد التي احتوت على مدرسة, جامع الوزير الخاصكي, والأحمدي, والحيدرخانه الذي احتوى على مدرستين هما المدرسة الداودية ومدرسة الحيدرخانه, وجامع الأصفية الذي احتوى هو الآخر على مدرستين أيضاً(6).

ومدرسة جامع المرادية التي نحن بصدد الحديث عنها أزيلت في فترة متأخرة, وذلك عند توسيع الشارع العام المؤدي إلى شارع الرشيد, وهذا أدى أيضاً إلى إزالة الباب الخارجي للجامع القائم قبالة مبنى وزارة الدفاع, فاستحدث باب حديث البناء.

وللجامع باب آخر أقيم في المجنبة الشرقية بني على غرار الباب سالف الذكر, وكسيت الواجهة العليا منه ببلاطات خزفية, ودون عليها أبيات من الشعر بخط الثلث تشير إلى تاريخ إعادة بناء الجامع من قبل السلطان عبد الحميد سنة (1901م), ودون اسم السلطان عبد الحميد بخط الطغراء.

جامع الأحمدية : وهو يمثل الطراز المعماري الثاني

يتمثل هذا الطراز في بناء جامع الأحمدي وجامع الحيدرخانه الذي بناه الوالي داود باشا سنة (1242هـ/1826م), ولما كان وجه الشبه كبيراً بينهما من حيث التخطيط الأرضي والعناصر العمارية, فقد اقتصر حديثنا على جامع الأحمدي.

عـرف بجـامع الميـدان لأنـه يـطل علـى ساحة الميدان, ولوقوعه في محل المـيدان, وهـي مـن مـحلات مـديـنة بغداد القديمة, كما عرف بجامع الأحمدي نسبة إلى بانيه أحمد باشا كتخدا سليمان باشا الكبير الذي حكم العراق ما بين سنة (1227-1193هـ). أمر أحمد باشا بإنشاء هذا الجامع عام (1210هـ/1795م), ولم يكتمل البناء في عهده, وأكمله من بعده أخوه عبد الله آغا(7). وقد مرت على المبنى أحداث كثيرة منها, قيام الوالي داود باشا بتجديد الكتابات والنقوش القائمة على واجهة المبنى سنة 1247هـ/1831م(8). وفي عهد الوالي مدحت باشا هدمت غرف المدرسة وأضيفت أرضيتها إلى الشارع العام,
كما جدد بناء بيت الصلاة سنة (137هـ/1893م) استناداً إلى كتابة مدونة على رقبة قبة بلاط المحراب, وفي العهد الملكي أمر الملك فيصل الأول أن يخصص هذا الجامع لصلاة الجمعة فقط(9) (شكل رقم 16).

يقـوم مـبنى الجـامع عـلى قطـعة مـن الأرض مسـتطيلة الشـكل تـقدر مسـاحتها بـ (3344م), تحتوي على بيت للصلاة مساحته 240م, أقيمت فيه أربع دعائم ضخمة, وضعت هذه الدعائم بحيث تشكل ثلاث بلاطات, أوسعها البلاطة الوسطى (القاعة الوسطى) بلغ عرضها 11م وعرض البلاطة الجانبية 3.7م, وبلغ ارتفاع هذه الدعامات من مستوى أرضية المصلى إلى أرضية المحفل المحيط ببلاطة المحراب أربعة أمتار, وتستمر هذه الدعائم في الارتفاع من فوق أرضية المحفل, وقد جعلت هذه الدعائم ضخمة لكي تقدر على تحمل القبة الضخمة التي ترتكز عليها. تعتبر هذه الدعائم أول مثال من نوعه في عمارة
مساجد بغداد خلال هذه المرحلة التاريخية التي نتحدث عنها, إذ لم يسبق أن شاهدناها من قبل, إلا أن هذه الدعائم أوجدتها الضرورة العمارية نتيجة التطورات التي حدثت على تخطيط وعمارة مساجد بغداد, والتي سبق الحديث عنها عند شرح تخطيط جامع المرادية. هذه الدعائم تشبه دعائم جامع الحيدرخانه, وقد أدت إضافة هذه الدعائم إلى حدوث ممرات بينها, أقيم فوقها المحفل المحيط ببلاطة المحراب, وارتكزت على الدعائم عقود مدببة ربطت بين الدعائم وبين جدران بيت الصلاة, أقيم بعضها بشكل عمودي على جدار القبلة وبعضها الآخر موازياً له. ولإحداث التناظر والتناسق في
البناء جعل كل عقدين متقابلين متشابهين في الشكل والحجم. وفي مراحل انتقال القباب لوحظ استخدام طريقة : المثلثات الكروية في بناء مراحل انتقال قباب البلاطة الجانبية على غرار بناء سقف البلاطة الجانبية والرواق في جامع المرادية السالف الذكر.

أقيمت هذه الحنية في الأركان الأربعة لبلاطة المحراب (شكل رقم 17). تطل عقود هذه الحنايا على بلاطة المحراب بعقد مدبب على غرار العقود الأخرى القائمة فيها, ويعتبر هذا الأسلوب من البناء فريداً من نوعه في عمارة مساجد بغداد, وجعلت هذه الحنية باطنها خالية من الزخارف في جامع الأحمدي, في حين ازدان باطنها بصفوف من المقرنصات في بناء حنية جامع الحيدر خانة, وقد حصرت عقود هذه الحنايا والعقود الأخرى التي تقوم في بلاطة المحراب مثلثات ازدانت بصفوف من المقرنصات ذات مستويات مختلفة, وبواسطة هذه المثلثات تمكن المعمار من تحويل الجزء العلوي من بلاطة
المحراب إلى مدور لإقامة رقبة القبة.

امتازت رقبة القبة بطولها, وقد قسمت إلى ثلاثة أشرطة, الأوسط منها فتحت فيه نوافذ, بعضها نافذة وبعضها غير نافذة توجت بعقود محلات, وهي بهذا اختلفت عن رقبة قبة جامع المرادية القصيرة. وترتكز فوق الرقبة قبة من نوع القباب المزدوجة, جعلت القبة الداخلية منخفضة ذات شكل نصف كروي, في حين جعلت القبة الداخلية ذات شكل بصلي, وقد امتازت هذه الأخيرة بالضخامة.

ومثلما أبدع المعمار في تغطية بلاطة المحراب بهذه القبة الضخمة, كذلك نجح في تسقيف البلاطتين المجاورتين لبلاطة المحراب بالقباب على غرار جامع المرادية, والاختلاف الوحيد بينهما هو أن القبة الوسطى احتوت على قبة بصلية ترتكز على رقبة أسطوا نية قصيرة فتحت فيها نوافذ لغرض التهوية والإنارة, واحتوى المصلى على طابق ثان من البناء يعرف بالمحفل يمكن الوصول إليه من باب أقيم إلى يسار الداخل إلى المصلى, ويؤدي هذا الباب إلى سلالم قائمة في سمك جدار مؤخرة المصلى. يقوم هذا المحفل فوق جدار مؤخرة بيت الصلاة على شكل شرفة تبرز عن الجدار بمقدار المتر,
وترتكز هذه الشرفة على ثلاثة صفوف من المقرنصات تطل على البلاطة بشرفة, وقد ارتبط هذا الجزء من المحفل مع الأجزاء الأخرى القائمة على جانبي بلاطة المحراب بمداخل قائمة في جسم الدعائم الأربعة, ويطل المحفل على المصلى بسور من الحديد. ومما يجذب الانتباه هو أن محفل جامع الأحمدي يحيط ببلاطة المحراب من الجهات الثلاث, وهذا النوع من المحافل لم نعهده من قبل في مساجد بغداد وما وصلنا منها يقوم فقط في مؤخرة المصلى على غرار محفل جامع المرادية وجامع الخفافين وجامع قمرية من العصر العباسي.

إن محفل جامع الأحمدي يمثل صورة طبق الأصل من محفل جامع الحيدرخانة الذي احتفظ بجميع عناصره المعمارية, في حين ألغي بناء المحفل الجانبي في جامع الأحمدي.

وتطلبت العناصر المعمارية القائمة في بيت الصلاة, والتي سبق الحديث عنها, كالقبة الضخمة المزدوجة القائمة في بلاطة المحراب, والقباب الجانبية, وإقامة المحفل, وإقامة جدران سميكة تقدر على تحمل الثقل الواقع عليها, هذا من جهة, من وجهة أخرى, مراعاة الظروف المناخية لمدينة بغداد, لذا جعل سمك الجدران2.5 متراً على غرار جدران جامع الحيدرخانة. كسيت جدران المصلى من الداخل, وعلى ارتفاع مترò من مستوى أرضية المصلى, بألواح رخامية, ويتوسط جدار القبلة محراب مجوف أقيم داخل حنية مجوفة مضلعة تنحرف عن اتجاه القبلة بمقدار ثماني درجات فقط, قطاع تجويفه
مخمس على غرار محراب جامع المرادية, ويتوج حنيته نصف قبة مضلعة تطل على المصلى بعقد مبروم. وكسيت واجهة العقد وباطنه ببلاطات خزفية ذات ألوان زاهية ازدانت بكتابات وزخارف نباتية, وإلى يسار المحراب أقيم المنبر, وهو يقوم على قاعدة مستطيلة الشكل تلتصق بجدار القبلة, وقد كسيت جدرانه بألواح من الرخام أزيلت مؤخراً واستبدلت بالآجر الجمهوري.

فتحت في جدران المصلى24 نافذة موزعة على جدران المصلى, بعضها في الجزء السفلي وبعضها الآخر في الجزء العلوي منها, وزعت على الجدران بصورة متناظرة, هذا بالإضافة إلى النوافذ التي أقيمت في رقاب القباب. وتدل الصورة القديمة المحفوظة في أرشيف شعبة التصوير في الهيئة العامة للآثار على وجود ستائر خشبية (قمريات) ذات عقود مدببة تزدان بزخارف هندسية مفرغة على شكل أطباق نجمية نفذت بدقة متناهية, مما يدل على مدى المهارة الفنية التي يتمتع بها الفنان.

أما أبواب المصلى فقد فتحت في جدار مؤخرة بيت الصلاة وعددها ثلاثة, أوسعها الأوسط. بنيت على غرار جامع المرادي, وجامع الوزير, وجامع الحيدرخانه. تطل هذه الأبواب على الرواق القائم أمام المصلى, ويتوج الباب الأوسط بعقد مقصوص جعل فصه العلوي موتوراً. يرتكز العقد على عضادتين من الرخام, وعلى جانبي الباب (نواصي) أقيم عمودان من نوع الأعمدة الحلزونية مصنوعة من قطعة واحدة من الرخام, ويتوج كل عمود بتاج مقرنص.

إن ظاهرة استخدام العقد المقصوص المصنوع من قطعة واحدة من الرخام وجدناه في بناء مدخل بيت الصلاة في جامع الحيدر خانة, وجامع الأحمدية, على غرار جامع المرادية, والوزير والخاصكي, والحيدر خانه. ويطل هذا الباب بهذه الواجهة على رواق أقيم أمام واجهة المصلى اتبع في تسقيفه نفس الأسلوب المتبع في تسقيف رواق الجامع المرادي والحيدر خانة, كما يطل الرواق على الفناء بثلاثة أواوين ضخمة, نافذة أكبرها الأوسط توجت بعقد مدبب مزدوج تم تسقيفه بنصف قبة مضلعة على غرار قبة جامع المرادية, واستخدمت قباب مثمنة في تسقيف الإيوان الجانبي. وعلى جانبي الإيوان
تقوم دخلة غير نافذة, وبجوار كل منها إيوان, فالإيوان القائم إلى يسار الداخل إلى الرواق أقيمت فيه قبة ضريح عبد الله آغا مكمل بناء الجامع.

وفي الجانب الآخر من الإيوان, وفي سمك الجدار, تقوم مئذنة الجامع, وهي تختلف في الطراز العماري عن مئذنة جامع المرادي التي كسيت جدرانها ببلاطات خزفية, إلا أنها اختلفت عنها في الزخارف. وتعتبر مئذنة الأحمدي أطول المآذن البغدادية التي وصلت إلينا, وقد اختلفت عن مئذنة جامع المرادي, والوزير, والحيدرخانة, من حيث الطراز الزخرفي والنصوص الخطية المدونة عليها.

وفيما يتعلق بواجهات المصلى المطلة على الفناء, تطل الواجهة الشرقية الغربية منها بخمس دخلات متوجة بعقود مدببة على غرار واجهات مبنى جامع الحيدر خانة, ولهذه الدخلات وظيفة عمارية, إذ أنها تحجب دخول مياه الأمطار إلى بيت الصلاة, أما الوظيفة الثانية فهي زخرفية, هذا إلى جانب ما تحدثه هذه الدخلات من ظلال وانعكاس الضوء على الواجهة. تطل الواجهة الغربية لبيت الصلاة على المصلى الصيفي. إن ظاهرة إقامة المصلى الصيفي شاعت في بناء معظم مساجد بغداد التي بنيت في تلك الحقبة الزمنية, نذكر منها جامع المرادي, الوزير, الخاصكي, الأحمدي, الحيدر خانه.
أما تلك التي تم ترميمها وإعادة بنائها, فنذكر منها جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني.

ومن ملحقات بناء الجامع المدرسة التي أقيمت في مجنبات الفناء الذي يطل عليه الرواق. وتؤكد لنا معظم المراجع أن المدرسة من إنشاء أحمد باشا, وليست من الأبنية الملحقة بالمبنى(10), وقد وصف لنا الألوسي هذه المدرسة بقوله : في جنوب المصلى من الجهة الجنوبية مدرسة بديعة الوضع, وهي ذات طابقين º طابق علوي, وفيه غرف للمدرسة وأخرى للطلبة, ثم خزانة لكتبها التي اشتملت على كل فن. أما الطابق السفلي, فقد احتوى على حجرات يسكنها الفقراء والغرباء وطلاب العلم. ودرس في هذه المدرسة علماء أكفاء, وتخرج منها علماء فضلاء, ولها شهرة في تخرج الطلبة, وآخر من درس
فيها محمود الوتري. ونتيجة لإهمال المبنى وعدم العناية به, فقد تهدمت معظم مواقعها. وكان هذا عام 1972(11), مما أدى إلى اتساع مساحة الفناء الذي يطل عليه بيت الصلاة. وقد أحيط فناء الجامع, بما فيه المباني القائمة, بسور سمكه نصف متر وارتفاعه خمسة أمتار, وجميع هذه الأسوار تمثل الجدران الأولى التي أقيمت عند إنشاء الجامع, وقد فتحت فيها أبواب كبيرة الحجم بلغ عددها ثلاثة, أحدها يتوسط الضلع الجنوبي, والآخر الضلع الشمالي, والثالث في الضلع الغربي. وكل باب يقوم داخل دهليز مقبى. وقد تهدمت الواجهة الأصلية لهذه المداخل وأعيد بناءها من جديد في
الآونة الأخيرة, نخص منها بالذكر واجهة المدخل المطل على مبنى وزارة الدفاع الذي بني سنة 1390(12).

ـــــــــــــــ

(1) كوك, ريجارد, بغداد مدينة السلام, ترجمة فؤاد جميل ومصطفى جواد, مطبعة شفيق,1967 ,ج 1, ص 144.

(2) القصيري, د. اعتماد, مساجد بغداد خلال العهد العثماني, ج1 , ص 245.

(3) ابن حبيب الشاوي, محمود ابن سلطان, مخطوط ولاة بغداد, رقمه في دار المخطوطات :10657 , ص 79.

(4) الألوسي, سالم, مخطوط أخبار بغداد وما جاورها من البلاد, رقمه في سجل دار المخطوطات155 , ج 1, ص 14.

(5) عبادة, عبد الحميد بن بكر, مخطوط العقد اللامع في ذكر بعض الآثار والمساجد والجوامع, رقمه في دار المخطوطات2670 , ص 41.

(6) المصدر السابق, ص 42.

(7) الألوسي, محمود شكري, مخطوط مختصر في ذكر تواريخ مساجد بغداد, رقمه في دار المخطوطات 30384 ,ج3 , ص 18.

(8) ملف جامع الأحمدي, محفوظ في ديوان وزارة الأوقاف رقمه 5أ.

(9) مخطوط العقد اللامع, ص 59.

(10) الألوسي, المصدر السابق, ص 6.

(11) العقد اللامع, ص 9.

(12) الديوة جي, جوامع الموصل, ص 163



Arkad‏‎na gِnder