Turkish Arabic
 
2021-06-14   Arkad‏‎na gِnder
1977 (629)


قصة قصيرة - الام


عباس احمد

امرأة صارعت الايام وصارعتها , وقد تحملت الكثير في تربية وليدها الوحيد , ومنذ ان كانت شابة وفي كنف زوجها دابت على تربية ابنهما على الوجهة الصحيحة وتسجل خواطرها في دفتر ذكرياتها حتى بعد ان خطفت يد المنون زوجها الى دار البقاء .
فتحت صفحات دفترها لتعيد النظر في كلمات وذكريات خطتها باناملها التي باتت ترتجف الان لكبر سنها وبدات الذكريات .
إنّ الأم ليست فقط من تُنجِب الأطفال، بل هي أيضًا من تربّيهم، وهذا الكلام صحيحٌ لا شكّ فيه ابدا ؛ فالأمّ في الأصل هي الأنثى التي تلد الأبناء ثمّ ترضعهم وتربّيهم، وتبقى تحبّهم وتحنو عليهم ما دامت الرّوح تسري في عروقها .
وتابعت القراءة بغصة , نعم فالأمّ كائن رقيق المشاعر حنون حسّاس ترى في أبنها الجانب الحلو وتغضّ الطّرف عمّا سوى ذلك ، تدافع عن ابنها وتحميه إن أصاب وإن أخطأ ، هي العطوف الوديعة الحنونة مع أبنائها ، والتي تصير وحشًا كاسِرًا إن مسّ أولادها سوء ، أو داهمهم خطٌر ما ، نعم فهي الصدر الذي يتّسع لكلّ أبنائها، هي التي لا يفيها الابن حقّها ولو اجتهد ، هي مفتاح العبور إلى الجنّة , إذ الطّريق يمرّ من تحت قدميها .
وتقلب صفحات دفترها لتبللها بدموع عينيها , وا حسرتاه لقد كان لي ابنٌ عاق ، توفي زوجي والده ورحل عنا الى الابدية ، وربيته انا , ولكن حين كبرت ودارت الايام علي وأصبحت عجوزًا ، أخذ ابني يتكاسلُ في خدمتي , وكان كلما كبُرَ عمرُي أكثر تكاسل هو أكثر .
وذات يوم جائني قائلا : ها قد جاء الربيع , ألا تحبين ان نخرج سوية اليوم ؟
أجبته مسرورة حيث ساكون بصحبة ابني الذي احبه : بالطبع أود ذلك .
قال الابن : الطبيعة جميلة جدًا ، وهناك نهر رائع في " قرة سالم " القريب من التون كوبري وأنا ساصطحبك لمشاهدتها .
لم اكن لادري ان ابني يخطط بقسوة لإلقائي في النهر للتخلص مني .
حين وصلنا إلى حافة النهر في " قرة سالم " ، طلبَ مني أن اقترب وانظر الى ماء النهر حيث تلعب الأسماك الصغيرة .
انحنيت اوجِّه النظرَ ، واتمعنُ البصرَ في الأسماك الصغيرة . كنت امسك بيد ابني ، عنها حاول أن يترك يدي ، لكنني وبحركة لا إرادية أمسكت ثياب ابن وتشبثت بقوة حتى لا اقع .
ولم يكن المكان فارغا حيث كانت العوائل تستمتع بايام الربيع والسفرات , وكان هناك رجلٌ جالس غير بعيد عنا وشاهد الحكاية من البداية إلى لحظة محاولة ابني أن يترك يدي كي اقع في النهر، فركض مسرعا نحونا لينقذني وهو يرفع قبضته ليضرب ذلك الولد العاق قاسي القلب .
لكنني وقفت بينهما، لاحمي ابني ، قائلة للرجل أن يتركه ، لأنه لم يفعل شيئا يستحق العقاب .
فرد الرجل وهو متعجب أشد العجب : لكنه كان على وشك أن يدفع بك يا سيدتي لتقعي في النهر؟ .
لكنني أخذت يد ابني وبدأت ابتعد عن النهر وادردم مع نفسي بصوت عال مخاطبا الرجل : أنت مخطئ , لقد كدتُ أنا أن أقع في النهر، لكن ابني العزيز الذي أحبه كثيرًا ساعدني على تجنب السقوط في المياء .
عند ذاك لم يستطع ابني أن يرفع رأسه في وجهي من الخجل والشعور بالذنب ، بل عاد معي وهو يَعِد نفسه أن يعوضَني عن معاملته القاسية طوال السنوات الماضية ، بينما مضى الرجل دون أن يتحدث والدهشة تعلو وجهه .
ومرة اخرى استلت قلمها لتكتب كلمات اخيرة في دفتر ذكرياتها .
يا ترى من هي الام ؟ .
هي التي تُعطي أبناءها إحساسهم بقيمتهم في الحياة ؛ فلولا وجودها لما وُجدوا أساسًا ، وهي التي تمحو الهموم عن أبنائها إذا ما أطبقت الشدائد عليهم ؛ فكلمة منها كفيلة بإزالة جبل من الهموم ولو كان مُطبقًا وجاثمًا على صدر ولدها، وكلّ مصيبة دونها تهون، تقرأ أفكار ابنها وتفهمه من نظرة ، كيف لا وهي الوطن الذي ضمّه قبل الولادة تسعة أشهر، ثمّ ضمّته في قلبها إلى يوم القيامة .
ولله در من قال , إنّ أعذب ما تحدثه الشفاه البشرية هو لفظة الأم .
وأجمل مناداة في العالم هي : يا أمي ..
وماما كلمة صغيرة كبيرة مملؤة بالامل والحب والعطف وكل ما في القلب البشري من رقة وحلاوة وعذوبة وحنان ....
ورحم الله امهاتنا جميعا .




Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  عباس احمد

31 - نهر خاصة جاي
32 - الاغتراب داخل الوطن
33 - هكذا اوصاني الاستاذ
34 - التلاحم افضل رد على الاطماع
35 - الاحتجاجات وازمة البطالة
36 - يا ليتني كنت رجلا خارقا
37 - كلمة الحق مندثرة في زوايا الظلام
38 - تغيير الدستور لا تعديله
39 - التسول طريق الى الفساد والانحراف
40 - و تساءلت والدتي بدمها و دموعها .. مجزرة 14 تموز.. ذكريات شاهد عيان
41 - مواقع التواصل الاجتماعي والانترنيت
42 - كركوك أمل ويأس
43 - حوادث بشعة وترابط اسري مفكوك
44 - عند باب العزاء
45 - نجوم في سماء التركمان .. أيام الإبادة الجماعية في مدن توركمن ايلي ساعات رعب في أذار 1991
46 - بعد عقود من الزمن تكريم القائد التركماني عمر علي
47 - ثمان سنوات عجاف على رحيل قاياجي
48 - في الذكرى السادسة لاستشهاد سفير الثقافة التركمانية محمد مهدي بيات
49 - كركوك جذور التركمان في اعماق التاريخ
50 - التركمان والحقوق الثقافية سنة 1970 والاستحقاق القومي في 2019
51 - نوارس قلبي
52 - لمناسلة الذكرى التاسعة والثلاثين ليوم الشهيد التركماني 16 كانون الثاني نجوم تتلألأ في سماء التركمان
53 - ذكريات ودموع
54 - وفاء الاجيال
55 - حريق قيصرية كركوك - تاريخ تحول الى رماد
56 - تهميش التركمان والحفاظ على وحدة العراق
57 - قصة من الخيال هل نراها في واقعنا - مجمع توركمن ايلي
58 - وطنية التركمان الصادقة جزء من التاريخ
59 - الوصول إلى الهدف على متن قطار
60 - مدينة الحزن.. صوتي لا يصل إليك
>>التالي >> <<السابق <<