Turkish Arabic
 
2021-02-01   Arkad‏‎na gِnder
324 (195)


جمر تحت الرماد


د. محمد أرجان

عندما بدأت أحداث الحرب بين جمهورية أذربيجان وأرمينيا شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2020، آثرتُ تدقيق جذورها بالرجوع إلى الخلفية التاريخية للمنطقة، وخصوصا فيما يتعلق بأذربيجان الجنوبية التي هي ضمن إيران. وبدأت ُالبحث في الإنترنيت. ولكن وجدت أغلب المواقع سطحية التغطية للموضوع. فاتصلت ُ ببعض الأصدقاء، فأرشدوني مشكورين إلى بعض المصادر الأكاديمية، حيث أن التاريخ الذي تعلمناه، والمنشورة آراؤه، كلها موجّهة! وقد كتبها مستشرقون. وبعد دراسة مستفيضة، استطعت ُ الحصول على خلاصة مبسّطة لهذه المنطقة، عسى أن تكون مفيدة، وتغطّي حقبة تاريخية مهمة، وإن كانت مضطربة. والأجدر بالمؤرخين المعاصرين التعمق في هذه الحقول التي أُملاها علينا المستشرقون، وإظهار الحقيقة والدوافع الخفية لهذه الأحداث المتشابكة.
وفي هذا المقال ، فحينما ترد كلمة "أذربيجان"، فالمقصود بها أذربيجان الجنوبية، الواقعة شمال غرب إيران. أما أذربيجان الشمالية فيُطلق عليها "جمهورية أذربيجان". وكلمة "الآذريين" تعني سكان أذربيجان. والأرقام بين الأقوآس الكبيرة [ ] تدل إلى إلمصدر وبين الأقوآس الصغيرة ( ) لاضافة توضيح.
1- المقدمة
ينظر المؤرخون من أصول تركمانية (الأذربيجان، الأوزبك، الإيغور، التتار، القازاغ، التركمان) إلى تاريخهم بصورة خاطئة. ويظهر ذلك عندما يريدون تعليم التاريخ الطوراني (نسبة ً إلى منطقة طوران Turan في أواسط آسيا مهد التركمان)، وكيفية الارتقاء به إلى المستوى الأكاديمي الرفيع الذي يستحقه، وجعله متداولا في معاهد البحث الرصينة. فيقعون ضحايا للتاريخ الاستعماري المزيّف، الذي شوّه تاريخ المشرق بأكمله! ومزّق أجزاء ًمنه! وغيّر المصطلحات! وأساء تفسير الدلالات! وزيّف الحقيقة عمدا![1].
إن إيران وطوران لهما أصل واحد! ولا يوجد بينهما فرق عِرقي أو قومي. ولكن قد تمَّ تصنيع الفرق وإنتاجه ونشره بحلول القرن التاسع عشر، بينما الحقيقة هي أنه " تركيا هي إيران، وإيران هي تركيا"[ 2] كتاب تحت الطبع .
كانت كافة العوائل التي حكمت إيران هم من التركمان، منذ عام 1500 لغاية 1925م : السلاجقة، الأفشار، الصفويين، القاجار. بل وحتى طهران كانت قرية صغيرة طوّرها القاجار لجعلها عاصمة بدلا من تبريز التي كانت عرضة لهجوم العثمانيين أو الروس.
وحينما نجح الإنجليز في إيجاد شق كبير في الهند بين المشرق الإسلامي( أندونيسيا، ماليزيا،القازاغ، الإيغور، تركمانستان، الأوزبك) والمغرب الإسلامي(تركيا، العراق، الجزيرة العربية، شمال أفريقيا) لم يكتمل العزل النهائي بينهما إلا بعد تحييد إيران. وكان رضا بهلوي ضابطا محدود الثقافة، لا يكترث بالتاريخ الفارسي[1]. فاستهدفه المستشرقون الإنجليز وأعطوه دروسا في التاريخ الفارسي بصورة منحرفة. ودفعته الحكومة البريطانية لتسلق السلّم العسكري الإيراني، فترقّى إلى منصب وزير الحربية ثم رئاسة الوزارة. وبعد ذلك شجّعوه ودعموه ليطيح بآخر ملوك القاجار، أحمد شاه، الشاب ذي الخبرة القليلة (مثل فيصل الثاني ملك العراق ) في ديسمبر/كانون الأول 1925.

وأجبر رضا بهلوي البرلمان الإيراني على انتخابه "شاه" لإيران، وتحويلها إلى ملكية عنصرية فارسية. تقع أذربيجان الجنوبية في الشمال الغربي من إيران، وتتطلع دائما للاستقلال عنها. ففي 1920 بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى أعلن الشيخ محمد كياباني أن أذربيجان أصبحت حرة. ولكن الحكومة الإيرانية سحقت حركته عسكريا في سبتمبر/ أيلول1920. وفي فبراير/ شباط 1922 اندلعت ثورة قصيرة بقيادة ضابط المدفعية عبد القاسم لاهوتي، ضد قائد الجيش آنذاك رضا خان (الذي أصبح لاحقا رضا شاه بهلوي)، ولكنها أُخمدت عسكريا كذلك.
لقد كانت، ولا تزال، مظاهر الإدراك والوعي القومي، والعمل على البعد عن العنصر الفارسي، متعمقة لدى الشعب الأذربيجاني. ومن أسباب ذلك اشتراك أفراده باللغة التركية، والشعور بالأخوة، مع العالم التركي والقوقاز ثم العالم الإسلامي.
ومنذ تسلّم البهلويين الحكم ، وحتى نهايتهم في عام 1979 ، عانت أذربيجان الإهمال المتعمد، ومنع استخدام اللغة الآذرية والتركية في المدارس والأدبيات والاحتفالات الدينية، وأخيرا نشر الكتب. فقد أقامت الحكومات البهلوية المشاريع والمصانع والبُنية التحتية في المناطق الفارسية، وأهملت القوميات الأخرى. وقد أجبرت تلك السياسة مجاميع السكّان غير الفرس على الانتقال إلى مناطق وسط إيران ذات المستوى المعاشي العالي. فنتج عن ذلك إضعاف وترقيق القوميات، مثل القومية الأذربيجانية، في مناطق تمركزها وكثافتها، ثم تمييعها في المناطق الجديدة التي سكنت فيها مثل طهران أو مشهد. وهذه ثقافة عدائية تهدف إلى صهر القوميات في بودقة المجموعة المتسلطة.
2- إقامة وانهيار جمهورية أذربيجان الديمقراطية
قامت بعد ذلك بريطانيا والاتحاد السوفيتي وأمريكا باحتلال إيران في أغسطس/آب 1941 متذرعين بعدم طرد إيران للألمان، حيث كان رضا شاه متعاطفا مع ألمانيا النازية. فدخل 40000 جندي سوفيتي إيران من الشمال، واحتلوا أذربيجان بأكملها ومشهد، لأسباب عسكرية واستراتيجية. كما دخل 19000 جندي بريطاني من الجنوب لحماية حقول النفط وتأمين خطوط الإمداد عبر إيران من الخليج إلى الاتحاد السوفيتي. وقد أجبر البريطانيون رضا شاه على التنحي عن العرش لصالح ابنه محمد رضا شاه في سبتمبر/أيلول 1941 [3].
فكان انهيار الجيش الإيراني، وانهيار سيطرة حكومة إيران على أذربيجان لصالح الاحتلال السوفيتي ، وإحياء الخصومات التقليدية بين الفرس والأذريين، عوامل ثلاثة أدت إلى ظهور أو إعادة إحياء مشاعر اللغة والثقافة القومية لدى الأذريين. فبرزت القوات المحلية الأذربيجانية في المقدمة. وقد منع السوفيات الحكومة الإيرانية المركزية من الحفاظ على النظام والتدخل في شؤون أذربيجان. ومارس السوفيات سيطرتهم على السكان المحليين من خلال قادة المدن والنقابات المهنية وحزب " تودة " الأذربيجاني (الحزب الشيوعي الأذربيجاني) الذين أظهروا أن أذربيجان شعب مستقل وله اختلافات مع الحكومة الإيرانية والشعب الفارسي.
وفي عام 1945 حثّت أمريكا وبريطانيا على انسحاب القوات الأجنبية من إيران. ولكن السوفييت رفضوا مناقشة الموضوع. وبالعكس قاموا بحل حزب تودة الأذربيجاني. ومن أجل بناء قاعد دعم أوسع شجعوا على تأسيس الحزب الديمقراطي الأذربيجاني في 3 سبتمبر/ أيلول1945 وقامت ميليشيات الفلاحين التابعة للحزب بانقلاب غير دموي في نوفمبر/ تشرين الثاني 1945، وإعلان تأسيس جمهورية أذربيجان الديمقراطية برئاسة جعفر بيشاوري (الذي كان عضوا في حكومة محمد كياباني 1920).
وقد ترأس الحكومة أحمد كرداري، التي استفادت من استياء السكان من سياسة محمد رضا بهلوي الفارسية. وقد وزّع السوفيات الأسلحة في المناطق الحساسة في أذربيجان، ودعموا انتفاضة واسعة في مناطق أذربيجان، وقطعوا كافة الاتصالات مع إيران. أصبحت تبريز تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الأذربيجاني، فانتخبوا الجمعية الوطنية التي أعلنت حكومة أذربيجان المستقلة. [3و4].
وهكذا استفادت الحركة الأذربيجانية من الدعم السوفيتي، حيث كان للآذريين بعض التعامل الإداري مع حكومة إيران المركزية التي أُسست في عهد رضا شاه. ولكن تلك الحكومة كانت عاجزة وفاسدة وتميّز ضد أذربيجان.
كذلك عارض الأكراد المتمركزون في غرب أذربيجان محاولات الحكومة الإيرانية لقمع قبيلتهم. فاستدعى رئيس وزراء أذربيجان الأكراد إلى تبريز وأبلغهم بأن أحزابهم المحلية غير مرغوب فيها، مثل حزب كوملة زين كردستان(التجمع) أو حزب تودة. وأخبرهم أن عليهم السعي لتحقيق أهدافهم ضمن أذربيجان، وأن يندمجوا في حزب جديد هو الحزب الديمقراطي الكردستاني (مثل الحزب الديمقراطي الأذربيجاني). و تم إعلان جمهورية مهاباد الكردية في جنوب غرب أذربيجان برئاسة قاضي محمد في أبريل/ نيسان 1946 (قاضي محمد هو قاضي قبلي وراثي وزعيم ديني وليس قاضيا مسلكيا).
وفي مارس/ آذار 1946 تم سحب قوات الحلفاء بريطانيا وأمريكا من إيران. ولكن القوات الروسية لم تغادر حتى شهر مايو/ مايس تحت ضغط من الحلفاء في الأمم المتحدة. فبعد مناقشات مطولة وافق السوفييت على الانسحاب بعدما تعهد الحلفاء بمنحهم امتيازات نفطية في إيران.
ومع انسحاب السوفييت من أذربيجان، بدأت سلطة الحكومة الأذربيجانية تتقلص رغم الاتفاق مع الحكومة المركزية الإيرانية على منح أذربيجان قدرا كبيرا من الحكم الذاتي والسماح للحزب الديمقراطي الأذربيجاني بالبقاء في السلطة. إلا أن خُبث الشاه والفُرس كان له دور حاسم بالالتفاف على هذا الاتفاق عن طريق القيام بتسليح قبائل معارضة للحزب الديمقراطي لإثارة المشاكل مما دفع بتحريك الجيش الإيراني بحجة المحافظة على النظام في أذربيجان. فدخل الجيش تبريز في ديسمبر/ كانون الأول 1946، وهرب جعفر بيشاوري إلى باكو، وأعلن قاضي محمد رئيس جمهورية مهاباد استسلامها بعد يومين . وقد قُتل جراء اكتساح الجيش الفارسي لأذربيجان عدة مئات، وتناثرت الجثث في الساحات العامة في أذربيجان، وفر نحو 1000 مقاتل أذربيجاني إلى جمهورية أذربيجان السوفيتية.
3- حل اللغز الكبير والمحيّر
كان مصطفى البرزاني رئيس أركان جمهورية مهاباد، إلا أنه بعد سقوط تبريز فرّ مع 10000 من قواته إلى الاتحاد السوفيتي عبر أرمينيا، مما جعل قاضي محمد في موقف لا يُحسد عليه! ودفعه للاستسلام حيث أُعدم وعُلِّق جسده في مهاباد [4].
السؤال المحيّر هو: هل عقد مصطفى البرزاني اتفاقية سرية مع شاه إيران بعدم المواجهة؟ الجواب: محتمل كثيرا! ولو عدنا بالذاكرة إلى تاريخ الحركة الكردية في العراق التي قادها مصطفى البرزاني، فإن شاه إيران كان الداعم الرئيسي لها من سنة 1960 وحتى انهيارها في 1975. وذكر أحد قادة المعارضة التي تحارب النظام البعثي في شمال العراق مع الحركة الكردية أنه بعد انهيار الحركة نتيجة اتفاقية الجزائر 1975 بين شاه إيران محمد رضا وصدام حسين، برعاية الرئيس الجزائري هواري بومدين، والذي بموجبه أُعطي نصف شط العرب لإيران، توقفت إيران عن دعم حركة المعارضة الكردية المسلحة. ونتيجة لذلك نزح ما يقارب ربع مليون لاجئ من المقاتلين وعوائلهم من كافة الفصائل إلى إيران حيث وُضعوا في مخيمات للاجئين. وبعد أسبوع من وصولهم إلى إيران، استدعاهم الشاه إلى قصره الامبراطوري في طهران وقال لهم بالحرف الواحد أنه " أجرى الاتفاق مع الحكومة العراقية لمصلحة إيران". فكان جواب مصطفى البرزاني بالحرف الواحد" بأنه والشعب الكردي في خدمة الشاه والشعب الإيراني". فأدى قوله هذا إلى امتعاض بقية القيادات المعارضة، وواجهوه بعدئذ، مما أنتج قطيعة بينهم، وكذلك الانشقاق الثاني لجلال الطالباني وتأسيسه الاتحاد الوطني الكردستاني. (كان الانشقاق الأول عام 1966، ولكنه عاد إلى كنف البرزاني عام 1970).
وبعد سقوط الشاه 1979 خرج قادة المعارضة إلى سوريا، وهم حزب جلال الطالباني، والبعثيون اليساريون، والقوميون العرب، والحركة الديمقراطية التركمانية. ومما يثر الفضول هو أنه بعد سقوط صدام حسين في عام 2003، واتفاق الأحزاب الشيعية الحاكمة والأكراد بإعطاء منصب رئيس الجمهورية للأكراد، فإن أي رئيس جمهورية كردي يتسلم منصبه: جلال الطالباني أو فؤاد معصوم، أو برهم صالح، تكون إلى إيران أول زيارة خارجية رسمية له خلال أشهره الأولى! فهل يأتي هذا تنفيذا لاتفاق البرزاني مع الحكومة الإيرانية في عام 1946!
4- الضغينة بين الآذريين والفرس
اتسمت العلاقة بين إيران وأذربيجان خلال ستينات وسبعينات القرن الماضي دائما بعدم الثقة. فقد فتك جهاز السافاك (الأمن الإيراني) بالحركات الطلابية الأذربيجانية خاصة. وفي بداية السبعينات ، حينما كانت العلاقات متوترة بين العراق وإيران، نشرت الجرائد العراقية صورا لطلاب أذربيجانيين معارضين أُعدموا وعُلِّقوا على أسوار جامعة تبريز. بينما كانت وسائل الإعلام الغربية تتكتم، أو لم تعمل على تغطية تلك الأحداث، لكيلا تسيء إلى مظهر شاه إيران أمام الغرب، أي كانت تحاول تبييض صفحته!
وقد كان لأذربيجان دور رائد في الإطاحة بنظام الشاه، مثل المظاهرات اليومية ضده. وقد حدثت مجزرة في تبريز خلال شهر يونيو/ حزيران 1978 عندما أطلقت قوات الأمن الإيرانية الرصاص الحي على المتظاهرين، قبل سبعة أشهر من هروب الشاه. ومكافأة على الدور الرئيسي الذي لعبه الأذربيجانيون في الثورة، تم تعيين مهدي بزركان الأذربيجاني كأول رئيس وزراء لإيران بعد سقوط الشاه، فأمّن تحويل إيران من الفوضى إلى النظام.
وقد أُجريت حديثا عدة دراسات عن تطور الهوية العرقية والمجتمع في أذربيجان نتيجة لصعود تيارها القومي، فوجدوا أنها اتخذت طابعا جديدا يُظهر عدم الرضا عن معارضة رغباتهم القومية، مما أدّى إلى قيام مظاهرات مناهضة لحكومة طهران. فقد أجرى أميل أصلان سليمانوف وباحثون آخرون من قسم الدراسات الروسية والشرق أوروبية [5و6] ، وكذلك تطرقت " بادية فحص" في بحث نشر على الإنترنيت [7] إلى العلاقة السلبية بين طهران وتبريز. كما أجرى أميل أصلان سليمانوف استطلاعا ميدانيا في أذربيجان، من عام 2010 إلى 2014، ونشر عدة أبحاث فيما يلي خلاصة موجزة لها.
إن ازدياد الشعور القومي في القرن العشرين وإحياء الهوية اللغوية والعِرقية للآذريين، المختلفة عن الفارسية، رفع سكان القوقاز إلى مرتبة الأخوة. وقد أقلق هذا حكام طهران المهتمين بمصير الشمال الغربي الاستراتيجي لإيران خشية قيام أكبر مجموعة قومية بالانفصال عن إيران، كما حدث عام 1945 لمدة سنة واحدة. وقد جاء انهيار الاتحاد السوفيتي، واستحداث جمهورية أذربيجان شمال نهر آراس Aras، ليكون مصدر قلق وترقب للسلطات الإيرانية، وخصوصا حرب أذربيجان وأرمينيا حول قرة باغ ، والتي هددت بالامتداد إلى داخل إيران. وأصبحت هذه الحرب مصدر إلهام لجماهير أذربيجان الجنوبية المتحمسين لإخوانهم الشماليين بعد عقود من العزلة المتبادلة. وأدى الصعود الاقتصادي والسياسي لتركيا خلال العقدين الأخيرين إلى إثارة شعورهم اللغوي والثقافي التركي بالفخر. وينتمي أغلبية الأذريين إلى التيار القومي والعلماني ، ولهم مواقف حماسية ورومانسية تؤيد إقامة دولة مستقلة في أذربيجان الجنوبية ، أو إلا تحاد مع الجزء الشمالي، أو الانضمام إلى تركيا. فتبلورت منذ التسعينات المفاهيم أدناه عند الآذريين:
1:- الدفاع عن الحقوق اللغوية والثقافية والعرقية، مثل التعليم باللغة التركية. وقد نجحت في المطالبة بالتحرر الثقافي والحكم الذاتي في المدن الكبيرة بين أوساط الشباب الجامعي.
2:- بعض الأحداث، مثل أزمة الرسوم الكاريكاتورية عام 2006، وتقليص بحيرة أورمية عام 2011، حفّزت الاحتجاج على ما يعتبره الآذريون تغاضي الحكومة الفارسية بموقف غير محترم تجاه تراثهم! فضلا عن القضايا البيئية. حيث انشأت الحكومة الإيرانية مجموعة من السدود على الأنهر المغذية لبحيرة أورمية مما ادى إلى تقليص مساحة البحيرة إلى 20% من مساحتها الإصلية.
3:- منذ بداية سنة 2000 انبثقت مجموعات قومية أذربيجانية تركزت في المدن الكبيرة، مثل تبريز، أردبيل، أورمية. وارتبطت غالبا بمشجعي نادي تراكتور تبريز لكرة القدم (الذي أُنشأ في مصنع تراكتورات)، وقد أظهروا في مناسبات عدة تصميما على الانفصال عن إيران، والالتحاق إما بجمهورية أذربيجان أو تركيا. وتتطابق نظرتهم هذه مع وجهات نظر تروّج لها مجموعات الشتات الأذربيجانية في أوروبا وأمريكا الشمالية.
4:- عمّقت الحرب الأهلية السورية الانقسامات بين الآذريين والإيرانيين، حيث يتعاطف الشباب الآذري مع تركيا والغرب، ويتهمون نظام بشار الأسد ومن يدعمهم باستهداف المدنيين. ويقوم الآذريون بتنظيم مظاهرات مناهضة للحرب السورية.
5:- أدّى اتجاه الإيرانيين الحديث في الابتعاد عن النظام الديني والعودة إلى هوية العِرق الفارسي، وإبداء إيحاءات معادية للتركية والعربية ، إلى رد فعل معاكس يعمل على إعادة اهتمام الآذريين بتراثهم التركي. فقاد إلى تعميق الصراع بين القوميتين الفارسية والأذربيجانية. ويحس الآذريون أن هويتهم التركية مرموقة، لأن تركيا أصبحت دولة أكثر ليبرالية وحداثة وقوة عسكرية وصناعة متينة، وتقدما في كافة مجالات الحياة. وقد عزّز استقبال القنوات الفضائية التركية الشعور القومي والفخر عند العنصر الأذربيجاني، رغم أنها زرعت الحسد عند العنصر الفارسي. ويظهر هذا جليا خلال التلويح بأعلام تركيا وجمهورية أذربيجان والهتافات المؤيدة أثناء مباراة كرة القدم. كما لعبت السياحة دورا مهما في التقارب بين الشعب الأذربيجاني والتركي وبقية الدول والمناطق الناطقة بالتركية. فتركيا من أهم وجهات سياحة السكان الآذريين، لقربها الجغرافي وانعدام القيود المطلوبة للسياحة قياسا بالدول الأوربية.
ومع إمكانيات الزيارة والسياحة لأذربيجان، فقد ذكر أصدقاء ناطقون بالتركية من خلال زيارة المدن الكبيرة مثل تبريز وأورمية وأردبيل، أن أصدقاءهم الآذريين كانوا يشتمون علنا قادة إيران، وخصوصا حينما يمرون قرب جدارياتهم، كما كان يفعل معظم العراقيين حينما يمرون قرب جداريات صدام!
6:- إن تضارب المصالح التركية والإيرانية، في ظل التنافس الإقليمي المتزايد بينهما، قد يؤدي إلى إضعاف الحكومة الإيرانية من الداخل. كما أن الاضطرابات الداخلية في أذربيجان ستؤدي حتما إلى إضعاف إيران، وبذلك لن تكون إيران شريكا قويا مؤهلا لروسيا.
7:- تراجعت أهمية العقيدة الشيعية لدى الشعب الآذري كأحد أعمدة هويتهم في العقود الثلاثة الماضية. وأصبحوا يهتمون بنمط الحياة الغربية والمشاركة في الاقتصاد، وليس التراث الديني. وقد غضّت الحكومة الإيرانية النظر عن الحركات القومية الفارسية وعدائها للقوميات الأخرى. ويتحدى الآذريون الهيمنة الفارسية ويبادلونهم العداء. فالعقلية الآذرية تمر بمرحلة التحرر العرقي والثقافي منذ التسعينات. ولكن السياسات القمعية للحكومة الإيرانية جعلت المعارضة تنأى بنفسها عن التعبير الصريح بالدعوة للانفصال. ولذلك أظهرت مطالب ذات دلالات سياسية واضحة في الأعوام 2006، 2009، 2011، 2012، وأخيرا في حرب تحرير قرة باغ 2020. وأصبح للمعارضة تزايد في القوة والثقة بالنفس والتوحد. فقد مثّل التنافس في كرة القدم منتدى رئيسيا للتنافس الأذربيجاني الفارسي، واظهار المشاعر المعادية للفارسية. وأصبح المنصة الوحيدة المتاحة للتجمع والتعبير السياسي دون خوف التهديد بعقوبة فورية. ويمكن لهذه التجمعات أن تتبلور في المستقبل لتشكيل نواة حركة معارضة أكثر تنظيما.
8:- إن التطلعات لانفصال أذربيجان عن إيران تمثل أكبر تهديد لتماسك الدولة الإيرانية. فالآذريون يمثلون أكبر أقلية عرقية في البلاد(30-35 مليون نسمة) ، ولهم تأثير كبير في أجهزة الدولة. ويمكن لهذه التطلعات أن تؤثر على الأقليات الأصغر: التركمان، البلوش، الأكراد. وكل دولة متعددة الأعراق قد تواجه تهديدا داخليا لوحدة أراضيها إذا دعمته قوى خارجية.
ولا توجد حاليا أية مظاهر دعم من أمريكا أو دول أوربا أو تركيا أو جمهورية أذربيجان لتوجه أذربيجان للاستقلال. إلا أنه من المحتمل أن تحدث تغيرات إقليمية أو دولية تستوجب دعم رغبات الشعب الآذري لنيل مطالبه الأساسية الثقافية والقومية كامتداد لدول القوقاز وتركيا.
الاستنتاج
1- لإيزال جمر استقلال أذربيجان متوقدا في قلوب الآذريين منذ القرن التاسع عشر ولحد الان. وذلك لأنه تُعتبر المسألة الأذربيجانية تقاطعا متزايدا بين جنوب القوقاز والشرق الأوسط، وتتأثر بما يجري في المنطقتين من التغير الديناميكي للتحالفات والمصالح.
2- لا يمكن بقاء الدول ذات التركيبة الغير متجانسة متماسكة طويلا مهما كانت القوى الداعمة لها. وقد حدث هذا مع يوغوسلافيا وجيكوسلوفاكيا والاتحاد السوفيتي. وينطبق هذا على إيران التي كانت مدعومة من بريطانيا وأمريكا، وحاليا من روسيا. وأذربيجان لها إمكانيات الدولة المستقلة، ولها شعب مختلف عن الفرس، وقد بدأت خطوة في الاتجاه الصحيح.
3- يجب إعادة تحقيق التاريخ المنشور للشرق الإسلامي، وتصفية الشوائب التي أدخلها المستشرقون الغربيون، والحرص على نشر التاريخ الحقيقي.
4-الخيانة لا تدوم مهما كانت القوى الداعمة لها! فأسرة بهلوي لم تدم سوى لحاكمين هما رضا شاه وابنه محمد! والملك فؤاد(الذي خان السلطان عبد الحميد الثاني) وابنه فاروق، وقّادة الاتحاد والترقي(الذين خانوا السلطان عبد الحميد الثاني) وأحمد جسن البكر وصدام حسين الذين قفزوا للسلطة بخيانة بعض قوّاد الحرس الجمهوري. وكلهم لقوا مصيرا سيئا.
References: المصادر
1. Prof. M. S. Megalommatis, November 2020, Personal correspondence
2. Prof. M. S. Megalommatis, Turkey is Iran and Iran is Turkey, in print
3. Encyclopaedia Iranica, AZERBAIJAN iv. Islamic History to 1941, University of Columbia.
4. Encyclopaedia Iranica, AZERBAIJAN v. History from 1941 to 1947, University of Columbia.

5. Emil Aslan Souleimanov & Josef Kraus, 2017, Iran’s Azerbaijan Question in Evolution Identity, Society, and Regional Security, Central Asia-Caucasus Institute and Silk Road Studies Program, ISBN: 978-91-86635-98-5

6. Emil Souleimanov, Kamil Pikal, And Josef Kraus, 2013 , The Rise Of Nationalism Among Iranian Azerbaijanis: A Step Toward Iran’s Disintegration?

7. بادية فحص، صحفية وكاتبة لبنانية، أكتوبر 2020" التشيع في شقاق: لماذا لن تنحاز إيران إلى أذربيجان في حربها مع أرمينيا".














Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  د. محمد أرجان

1 - بؤس الدول الإسلامية