Turkish Arabic
 
2020-12-22   Arkad‏‎na gِnder
175 (116)


عبق الشهادة يفوح من صاري قاميش بعد مرور أكثر من مائة عام..


الدكتور مختار فاتح بيديلي

معركة ساري قاميش معركة نشبت بين الجيش الروسي القوقازي بقيادة نيكولاي يودنيتش والجيش الثالث العثماني بقيادة وزير الحربية أنور باشا في ساريقاميش في 22 ديسمبر إلى 17 يناير 1915 خلال الحرب العالمية الأولى تعتبر معركة صاري قاميش، التي دارت بين القوات العثمانية والجيش الروسي، أول معارك جيش السلطنة الكبرى في الحرب الأولى، وأكثرها مأساوية.
أصبحت الدولة العثمانية طرفاً في الحرب متأخرة قليلاً، في نهاية تشرين الأول/اكتوبر 1914؛ ومنذ إعلان روسيا الحرب على العثمانيين، بدأت القوات الروسية المحتشدة في محيط مدن قارص وأردوخان، التي كانت روسيا احتلتها في حرب 1878، في مناوشة القوات العثمانية على الجانب الآخر من الحدود.
يخطئ البعض و يقعون في أساطير تاريخية حين يظنون أن معركة صاري قامش ببساطة كانت مجرد مسيرة انتحارية ارسل فيها أنور باشا الجيش العثماني بلا أسلحة و لا ملابس (زعموا ذلك) بينما تغيب عن ذهنهم كثير من الوقائع و الملابسات المحيطة بالمعركة.

يتسال البعض هل كانت ملحمة معركة صاري قاميش مغامرة أم انتصار ضائع من العثمانيين .
أولا لم يكن الجيش العثماني الثالث الذي تولى الهجوم في صاري قاميش بلا تسليح بل كان مجهزا بشكل جيد (و إن كان أقل من القوات الروسية خاصة افتقار مشاته لنفس كثافة الرشاشات الموجودة لدى وحدات المشاة الروسية) و كان يتألف من 3 فيالق و هي الفيلق التاسع (الفرق 17 و 28 و 29 مشاة) و العاشر (30 و 31 و 32 مشاة) و الحادي عشر (18 و 33 و 34 مشاة) إضافة للواء الفرسان النظامي الثاني و كان يحتوي على 73 قطعة رشاش و 218 قطعة مدفعية (بعضها كان في مواقع

ثابتة لا يمكن تحريكها خاصة حامية أرضروم مقر قيادة الجيش) و طبعا إضافة لذلك كان الجيش يضم وحدات دفاع ثابتة في أرضروم إضافة لوحدات من الدرك (خاصة لواء فرسان جندرمة وان) و حرس الحدود و قد تم إيكال مهام أمنية في الداخل لتلك القوات الأخيرة بسبب وجود نسبة كبيرة من الأرمن شرق الأناضول.
إضافة لذلك كان يسند الجيش وحدات غير نظامية من فرسان قبائل التركمان والكورد القبليين الاقوياء (و كانوا يسمون سابقا بالآلايات الحميدية) و تسليحهم خفيف و قديم.
أن الفرقتين 33 و 34 مشاة من الجيش العثماني كانتا تتألفان من سكان شمال العراق بأغلبية ساحقة ( تركمان وعرب واكراد من أهالي ولاية الموصل و كانت تضم سناجق الموصل و السليمانية و كركوك). كما كان هناك مشاركة ابطال من ولاية بيروت العثمانية جنبا الى جنب مع إخوانهم من الولايات العثمانية الأخرى، من مصر وطرابلس الغرب وحلب والقدس ومكة، كتفاً الى كتف لصد الهجوم الهمجي الروسي الذي كان يطمع باحتلال تلك البلاد وحاول الدخول الى عمق الدولة العلية العثمانية من منطقة القوقاز.

ثانيا قرار الهجوم لم يتخذ هكذا بشكل مفاجئ (بغض النظر عن أنه كان خاطئا) بل اتخذ بعد معركة انتصر فيها الجيش الثالث العثماني في القوقاز و تسمى معركة كوبركوي في المصادر الروسية و التركية و هجوم بيرجمان في المصادر الانجليزية. حيث بدأت الحرب بهجوم شنه جيش القوقاز الروسي في 2 نوفمبر 1914 باتجاه كوبركوي و وادي اليشكرد تصدى له الجيش الثالث بقيادة حسن عزت باشا و شن الجيش الثالث هجوما مضادا في 7 نوفمبر على القوات الروسية المهاجمة كما تم دعم ذلك الهجوم ايضا بهجوم وقائي على جناح القوات الروسية تم فيه عبور الحدود لداخل الأراضي الروسية من قبل الفرقتين 31 و 32 من الفيلق العاشر بقيادة حافظ حقي باشا مع فوج فرسان كوردي غير نظامي دمر قوات روسية عند بورتشكا كما تراجعت القوات الروسية أمام ذلك الهجوم في ارتفين ووأردنوش وانتهت العملية بانسحاب القوات الروسية بشكل كامل في 19 نوفمبر إلى ما وراء الحدود.
و قد تكبدت القوات الروسية خسائر فادحة في المعركة تتفاوت الأرقام فيها و لكن مثلا قدر الجنرال يفيغيني ماسلوفسكي (رئيس إدارة التموين العام في جيش القوقاز الروسي خلال الحرب العالمية الأولى) أن الفرقتين الروسيتين 20 و 39 فقدتا ما يقارب نصف الملاك البشري الخاص بهما.
ثالثا بعد تلك المعركة رأى أنور باشا الفرصة مواتية لتوجيه ضربة قاضية لجيش القوقاز الروسي (خاصة أنه كان يقدر عدم قدرة الإمبراطورية الروسية على إمداد قواتها في القوقاز بعد هزائمها الشنيعة أمام الألمان في معارك ماسوريان و تاننبرغ على الجبهة الشرقية الأوروبية).
عارض حسن عزت باشا قرار الهجوم بسبب حلول فصل الشتاء و الافتقار لتجهيزات شتوية و أمور أخرى.
و لكن المستشارين العسكريين الألمان شجعوا أنور باشا على العملية (أملا في أن انهيار قوات القوقاز الروسية أمام العثمانيين سيجذب احتياطات روسيا الاستراتيجية مما يضعف موقفها على الجبهة الشرقية).
المهم قام أنور باشا بعزل حسن عزت باشا و تولى بنفسه قيادة الجيش الثالث و وضع بنفسه خطة عسكرية تعتمد على نفس المبادئ العسكرية الألمانية التي كان متأثرا بها و تنص على أن يقوم الفيلق الحادي عشر مدعوما بلواء الفرسان الثاني و أفواج الفرسان التركمان والكورد الغير النظاميين بهجوم أمامي على مواقع قوات القوقاز الروسية المحصنة بينما يقوم الفيلقان التاسع و العاشر بهجوم التفافي عبر الجناح الأيمن للقوات الروسية (من مناطق وعرة غير متوقعة) و ذلك للوصول لمؤخرة القوات الروسية و احتلال مركز القيادة في صاري قاميش و قطع خط السكة الحديدية نحو تبليسي.
و قد وافقه على خطته و أثنى عليها كل من الجنرال الألماني فريتز برونسارت فون شيليندورف (اتهم بأنه من مهندسي ما سمي بالمجزرة الأرمنية و صار من مؤيدي هتلر في الثلاثينات) و الكولونيل الألماني أوتو فون فلدمان و اللذان كانا يعملان مع الجيش العثماني.
رابعا بدأ الهجوم في 22 ديسمبر بعد بعض التجهيزات العاجلة (بعد شهر تقريبا من نهاية معركة كوبركوي) و سارت خطة أنور باشا في البداية بشكل جيد و حالفها النجاح حيث استطاعت الفرقة 30 من الفيلق العاشر تدمير لواء مشاة روسي من الفرقة الروسية 20 التي يقودها الجنرال استومين حيث استطاعت الفرقة العثمانية احتلال مدينة أولتو و أسر ألف جندي روسي ففتحت الفرقة بذلك الطريق لباقي القوات المخصصة للالتفاف حسب الخطة و تقهقرت قوات استومين.
تابعت القوات العثمانية التقدم و اقتربت من صاري قاميش و هي هدف التطويق النهائي و قد أصيب الروس بالذعر و قرر قائد قوات القوقاز الروسية الجنرال أليكساندر ميشلايفسكي إخلاء صاري قاميش و بدأ بذلك في 25 ديسمبر و لكن رئيس أركان قوات القوقاز الروسية الجنرال العنيد نيكولاي يودينتش رفض الأوامر وقرر المقاومة وأمسك زمام الأمور بيده وبدأ بتنظيم مقاومة شرسة.
ومع ذلك استمرت القوات العثمانية حتى وصل الفيلق التاسع العثماني لمشارف مدينة صاري قاميش في 28 ديسمبر و قد فر الجنرال أليكساندر ميشلايفسكي من المدينة في ذلك اليوم نحو تبليسي في نفس الوقت الذي صدرت فيه أوامر حاكم القوقاز الروسي الدوق ايلاريون فونتسوف بمحاولة النجاة من التطويق و التراجع نحو قارس و تدمير ما لا يمكن حمله من معدات ثقيلة.
رفض يودينتش الأوامر و قرر المقاومة و حين أعطى بعض الأوامر للفيلق الأول رفضها الجنرال جيورجي بيرخمن كون أوامر ميشلايفسكي تقضي بالانسحاب فعزله يودينتش و سلم القيادة لمساعده دراتسينكو.
و كان أنور باشا قد وصلته معلومات انسحاب الروس و قدر أنهم لو استمروا فستسقط صاري قاميش و تقع القوات الروسية بذلك تحت الحصار و التطويق و أما إذا انسحبوا فسيكون ظهر الجيش العثماني نحو صاري قاميش و تحل بذلك المشاكل اللوجستية بالامداد و التموين.
و لكن أدى الصمود العنيد ليودينتش و براعته العسكرية إضافة لتأخر الفيلق العاشر عن اللحاق بالتاسع في الوقت المناسب و الظروف المناخية الصعبة (تصل درجة الحرارة عادة في تلك المنطقة إلى -7 في ديسمبر و لكنها وصلت في تلك السنة إلى -30 حسب المصادر الروسية) إلى إنهاك الجيش العثماني و سقوط العديد منه قتلى نتيجة للتجمد مما مكن يودينتش من القيام بهجوم مضاد منسق مستخدما وحدات الفرسان القوزاق و التي قطعت طريق العودة على القوات العثمانية بهجوم التفافي في 2 يناير 1915 مما جعل العديد من القوات العثمانية معزولة و مطوقة و بدأ انهيار قوات الفيلقين التاسع و العاشر حتى 17 يناير و النتيجة معروفة طبعا (و يقال أن أنور باشا نفسه نجا بأعجوبة من الأسر و استطاع النجاة نحو أرضروم).
انتهت الحملة العسكرية نهاية تراجيدية، توفي فيها عشرات آلاف الجنود العثمانيين من شدة البرد، كما أسر آلاف آخرون ليلقوا حتفهم فيما بعد في منافيهم بسيبيريا وأوكرانيا.
يقال بانه تم استشهاد أكثر من 90 ألف جندي عثماني تجمدًا من شدة البرد والثلوج في جبال “الله أكبر”، دون إطلاق طلقة واحدة على العدو. من بين الشهداء أبناء ولاية بيروت يقدر311 شهيداً سقطوا في تلك المعركة.
خامسا هناك وجهة نظر (قد تصح أو لا) بأن حملة صاري قاميش رغم فشلها الكارثي لكنها ألحقت ضربة بالقوات الروسية في القوقاز منعتها من شن أي هجوم كبير لمدة عام تقريبا (حتى شتاء 1916) الأمر الذي مكن الدولة العثمانية من التفرغ لصد هجوم الحلفاء على جناق قلعة و الذي بدأ بعد 3 أشهر من نهاية معركة صاري قاميش (من أسباب الحملة للمعلومية مطالبة قيصر روسيا للحلفاء بشن هجوم على العثمانيين لأنه أصيب بالذعر من احتمال حملة أخرى على غرار حملة صاري قاميش).
الأتراك والمسلمون يحيون ذكرى لمأساة «صاري قاميش» في عام ويشارك فيها عشرات آلاف الأتراك في «صاري قاميش» بمسيرة كبيرة على الرغم من الثلوج وانخفاض درجات الحرارة، حاملين أعلاماً ورايات تركية، مكتوب عليها «مسيرات تركيا لأجل الشهداء».
حيث تضمن المسير الطويل لمسافة 4.5 كيلو متر، الدعاء والتكبير وقراءة آيات من القرآن على أرواح الجنود، في محاولة منهم للسير على خطى الجنود العثمانيين الذين قضوا تجمداً في هذه المنطقة. وتقام في تركيا فعاليات لتخليد ذكرى شهداء معركة صاري قاميش.
ما هو ذلك السر الكبير الذي يدفع كل هؤلاء بالمجيء الى هذه الجبال ؟؟
ما هو ذلك السر الكبير الذي حمل أجدادنا بالقدوم من بلاد الشام، وقطع كل هذه المسافات الطويلة للاستشهاد في هذه البقعة النائية من المعمورة ؟!
لا أدري، أهو حب الشهادة أم أن أجدادنا كانوا على علم بما يخطط له أعداء أمتنا من تقسيم لبلادنا ليتمكنوا من نهب ثرواتها ومقدراتها فقرروا أن يكونوا خط الدفاع الأول لإفشال هذه المؤامرات والحفاظ على وحدة الأمة وكيانها.
رحمكم الله يا أجدادنا لقد أديتم واجبكم
سنبقى نتعلم من مدرسة تضحياتكم
فاهنؤوا بإذن المولى في جنات النعيم !
المصادر
1-كتاب قيم حول تشكيلات الجيش العثماني في الحرب العالمية الأولى ألفه إدوارد اريكسون بعنوان
Ordered to Die: A History of the Ottoman Army in the First World War.
2-معركة كوبركوي يمكن مراجعة كتاب يفغيني ماسلوفسكي المذكور باللغة الروسية و هو
Мировая война на кавказском фронте, 1914—1917 г. стратегический очерк
باللغة الانجليزية يمكن مراجعة
Rob Johnson. "The Great War and the Middle East". Oxford University.
3-للمراجعة حول خطة أنور باشا و موافقتها لمبادئ العسكرية الألمانية يمكن مراجعة الصفحة 404 من الإصدار الثامن و العشرين
The Encyclopedia Americana, 1920.
4-للقراءة أكثر حول تفاصيل معركة صاري قامش يمكن قراءة كتاب إدوارد إريكسون المذكور
Ordered to Die: A History of the Ottoman Army in the First World War
5- كتاب
Caucasian Battlefields: A History of the Wars on the Turco-Caucasian Border 1828–1921.
تأليف باول موراتوف و الصادر عن جامعة كامبردج عام 1953.
6-مصادر روسية يمكن قراءة.
Сарыкамышская операция
و الصادر في صوفيا عام 1933 عن الجنرال الروسي فلاديمير نيكولسكي
7- كتاب
Кампания 1915. Кавказский фронт
تأليف الجنرال و المؤرخ العسكري الروسي أندريه زاينوتشكوفسكي.



Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  الدكتور مختار فاتح بيديلي

1 - يكفي التركمان ما عاناه طوال عشرة سنوات من عمر الثورة السورية “بتقديس الأشخاص”
2 - مأساة «20 يناير الأسود» هي صفحة المجد والشجاعة في تاريخ أتراك أذربيجان المجيد..
3 - علم من اعلام بلادي الشاعر التركماني عبود اسماعيل من اوائل شعراء الأدب الشعبي التركماني السوري ( 1904 _ 1987)
4 - الشاعر العبقري والمفكر الأذربيجاني، نظامي كنجوي (كنجافي)
5 - أزمة المشروع الوطني والقومي التركماني السوري وآفاقه المستقبلية
6 - يجب ألا ان تطأ أقدام مجموعة منيسك منطقة قره باغ مرة أخرى
7 - أذربيجـان..من الوثنيـة والزرادشتية إلى ديانات السماء وصولاً إلـى العلمانيـة.. بلد غربي الهوى ..اسلامي الهوية .. وشرقي التقاليــد