Turkish Arabic
 
2020-11-10   Arkad‏‎na gِnder
24 (24)


مذكرات جندي بالاكراه


اديب جراح ﺍﻮﻏﻟﻮ

الحلقة الأولى

كتيبة مغلقة
كانت ليلة 1/1/1983 آخر ليلة رأس سنة ميلادية احتفلنا بها مع زميل لي ألتقيته صدفة في قاعة نادي بابا بمدينة كركوك، حيث جلسنا سوية حول طاولة واحدة "جلسة عزاب" وقد ابتدأت الحفلة بمراسيمها المملة.
في الوقت الذي بدأت الموسيقى التي اعلنت بدء السنة الجديدة، وصلتني الاخبار عن ان كتيبة مدفعية الميدان التي انتميت لها قبل اسبوعين قد صدر امر حركتها الى جبهة العمارة وأنّ علي الالتحاق فورا الى هناك. اضطررت على إثرها الى شد الرحال صباح اليوم التالي الى ميسان.
تم اختيار جبهة "البجلية" لكتيبتنا لما سمي بتكثيف النار لصد هجوم العدو الذي أحدث ثغرة في هذه الجبهة، وهكذا كان. وصلت الى الموقع في الصباح الباكر والتقيت بالزملاء وخصص لنا "لزمرة المساحين" ملجأ تم حفره للتو وبدأنا بتسقيفه حيث استغرق ذلك ثلاثة ايام اخرى بتنا خلالها في العراء تلفحنا نسائم البرد القارص لليالي العمارة شديدة البرودة في هذا الموسم. وكانت مياه الامطار تتجمع في قعر الملجأ ليلا، تذمرنا من الحالة في البدء ولكننا استفدنا من الوحل المتجمع في بناء السقف، على مبدأ الحاجة ام الاختراع.
عندما استقر الوضع في الكتيبة، امرنا بالمثول امام مساعد امر الكتيبة "المسؤول الحزبي للكتيبة" لأمر هام. كنا سبعة جنود نشكل حضيرة المسّاحين من الذين اجتازوا دورة المساحة العسكرية.
كانت لهجة المساعد ودية في البداية حيث اشاد بأدائنا وسألنا عن موقف كل واحد وعن انتمائه للحزب، أجاب الكل باننا مستقلون. وهنا بدأ برفع نبرته حين تساءل عن سبب عدم انتمائنا الى الحزب لحد الان؟ واضاف متهكما هل اننا نشكل حزب الاستقلال؟ وتعجب ما الذي جمع سبعة اشخاص من مختلف مناطق العراق على رأي واحد، فأنتم اثنان من البصرة وواحد من بغداد وواحد مسيحي من الموصل وواحد من الحلة واثنان من البصرة واثنان من تركمان كركوك، وتساءل اليس هذا غريبا؟ وأضاف لعلمكم ان هذه الكتيبة مغلقة على حزب البعث وان الذي يرفض الانتماء الى هذا الحزب سيلاقي مصيرا يندم عليه طول العمر، وسأمنحكم فرصة أخيرة 24 ساعة للانتماء!
حدثت تنازلات من بعض الزملاء وأظهر بعضهم انتماءاتهم السابقة وتخوف أخرون من المصير المجهول الذي هددهم به المساعد. وهكذا بقينا انا وزميلي من كركوك ننتظر مصيرنا المجهول الذي تقرر فورا وخلال 24 ساعة. كنت اول ضحايا القرار حيث صدر الامر بإرسالي الى الخطوط الامامية في الجبهة، متجاهلين المبادئ الاولية لتوزيع المهام المدفعية التي تقضي بعدم ارسال "المسّاحين" الى الخطوط الامامية لعدم الحاجة إليهم في مثل هذه الاماكن، وعلى كل حال لم يكن هناك مناص من اطاعة الاوامر العسكرية.
كان الموقع الذي وصلت اليه اخيرا يتكون من قفص حديدي مدفون في قمة تلة تشرف على اخر سرية من سرايا المشاة وبعدها ما يسمى بالأرض الحرام، وفي مقدمة هذا الارض اسلاك شائكة عليها علامة فارقة تتميز بها معظم الجبهات التي تحاذي الأرض الحرام، والتي تتضمن جثة جندي قتل في تعرض سابق وبقي جسده معلقا ومتخشبا على الاسلاك الشائكة ولا يتمكن اي من الطرفين من اخلائه خوفا من الرمي الذي سيتساقط عليه.
في الليلة الثانية لوصولي الى هذا المكان وفي الساعة العاشرة مساء بدء هجوم العدو، وكان هجوما خاطفا احتل العدو فيه سرية المشاة المحاذية للموقع الذي كنا فيه، تيقنت ان خطة ارسالي الى هذا المكان كانت ضمن خطة مدروسة وفرصة ذهبية للتخلص مني، وعلى كل حال انتهى الهجوم الذي استغرق حوالي الساعتين، تمكن العدو خلالها من الحصول على بعض الاسرى وانهاء حياة آخرين، ولا أعلم لحد الان ماذا منعهم من الاقتراب من الموقع الذي كنا نتحصن فيه؟! هو الحافظ دون شك الذي اعمى بصيرتهم عني وعن الضابط الذي اصيب بقربي وظل ينزف حتى الصباح، واما الجندي الذي كان يقف قرب مدخل الموقع فقد اصيب بقذيفة مباشرة تركته اشلاء صعب علينا جمعها فيما بعد.
في صباح اليوم التالي وصلت سيارة اسعاف عسكرية لإخلائنا وعلمت فيما بعد انهم في القيادة العسكرية كانوا قد قرروا احتسابنا ضمن الخسائر.
كانت هذه التجربة مريرة وجاءت نتائجها على عكس ما خطط لها، فقد ايقنت الزمرة الحزبية في الكتيبة ان لا فائدة من اتباع اسلوب الترهيب لنيل مبتغاهم، لا بل شاءت الاقدار ان جاء الامر العسكري بمنح الناجين من العملية قدما وتم غض النظر ولو الى حين عن إجبارنا للانتماء الى الحزب القائد.


المصدر: Kardaşlık 88. Sayı
Arkad‏‎na gِnder