Turkish Arabic
 
2020-09-29   Arkad‏‎na gِnder
65 (52)


أذربيجـان..من الوثنيـة والزرادشتية إلى ديانات السماء وصولاً إلـى العلمانيـة.. بلد غربي الهوى ..اسلامي الهوية .. وشرقي التقاليــد


الدكتور مختار فاتح بيديلي


من عاصمة اذربيجان باكو الى عاصمة جمهورية الشيشان غروزني وصولا الى عاصمة جمهورية تتارستان قازان في وسط روسيا و حتى موسكو حكاية عمرها 1400 عام هي قصة دخول الاسلام الى منطقة القوقاز ومنها انتشر الى آسيا الوسطى وصولا الى الصين شرقا وغربا الى ارمينيا وجورجيا وحتى اوروبا
قصة رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وخلافة سيرت في مهدها جيوشا فتحت بهم الارض مع انهم كانوا اقل عددا وعدة من غيرهم الا ان سلاح الإيمان جمعهم حتى دانت لهم الارض. خلف أسوار المدينة القديمة يعود التاريخ اكثر من ألف عام الى الوراء يقلب صفحاته ويروي ما بين طياته أشهر معارك المسلمين وإقامة أول خلافة اسلامية في باكو عاصمة اذربيجان التي كانت تمتد حدودها بين بحر قزوين وشط العرب في العراق
على أسوار مدينتها القديمة تحكى ألف قصة للحب، وتخلد نبوغ العرب الذين جاءوا وبنوا وحكموا تلك المدينة منذ عهد الفاروق عمر بن الخطاب حين ارسل حملة بقيادة حذيفة بن اليمان ليكون اول حاكم مسلم لتلك البلاد التي كانت حدودها تبدأ من العراق وتضم بلاد فارس بأكملها .إمبراطورية ضخمة تنقل بها التاريخ وتصارعت وتقاطعت عندها أشهر أحداثه من دولة عظمى فدويلات متفتتة ومن السنة الى الشيعة ومن خط الدفاع الاول ضد المغول الى دولة تحارب الأفغان والأتراك وأخيرا تقع في قبضة السوفييت لأكثر من 70 عاما حتى تعود الى حكم ابنائها وتشهد نهضة حضارية لم تشهدها منذ قدوم المسلمين الأوائل الى تلك البلاد التي تعتبر همزة الوصل بين الشرق والغرب.عشرات العلماء والفلاسفة والشعراء وكنوز بلد مازال يحتفظ بالكثير من الأسرار والجمال نسرد بعضا منها في تلك الحلقات، انها اذربيجان مدينة النيران ـ كما يطلقون عليها لأنها كانت من اوائل البلدان النفطية في العالم حيث يقول المؤرخون إن تاريخ النفط في اذربيجان يعود إلى القرن الرابع عشر الميلادي وربما قبله، حين كان النفط يوضع في أكياس من الجلد لتحمله الجمال في رحلات طويلة إلى إيران والعراق وبلدان أخرى
في باكو عاصمة أذربيجان لا يوجد شارع ليس به متحف او تزينه نافورة موسيقية جميلة تتراقص بأشعة الليزر معبرة عن أجمل رقصات الباليه العالمية، وفي باكو لا يوجد ميدان ليس به تمثال شاعر او فنان او ذكرى تجسد تاريخ المدينة الضارب في القدم، وايضا لا يوجد شارع ليست به صورة كبيرة او تمثال لرئيسهم الراحل حيدر علييف والد الرئيس الحالي الهام علييف
الأديان ووصول الاسلام الى أذربيجان
الحقب التاريخية المختلفة التي مرت على أذربيجان تركت تأثيرها الكبير في الأديان التي نشأت في بلد يضم إرثًا إنسانيًّا قديمًا، وفيه آثارُ واحدةٍ من أقدم المستعمرات البشرية في مدينة غوبستان؛ التي تعود إلى العصر الحجري المتأخر، وترتبط بثقافة غوروكاي وتطور التمدن الإنساني، وتظهر ثقافات العصر الحجري القديم الأعلى وثقافات أواخر العصر البرونزي في عدد من الكهوف الأذربيجانية، وحُكمت المنطقة في فترة 550 سنة قبل الميلاد من قِبَل الأخمينيين، وهي الفترة التي انتشرت فيها الديانة الزرادشتية، وما زال أحد معابدها قائمًا في باكو؛ ثم صارت جزءًا من إمبراطورية الإسكندر الأكبر، وتعاقبت على حكمها السلالات من الساسانيين والبيزنطيين إلى العرب وصل الإسلام إلى أذربيجان من خلال العرب في القرن السابع الميلادي عندما كان يسيطر على البلاد أتتباع المسيحية والوثنية. قصص وحكايات تعيد بنا التاريخ الى اكثر من 2500 سنة بدأتها في اذربيجان من جبل النيران، وهو جبل نار كسرى التي لم تنطفئ الا يوما واحدا منذ 2500 سنة وهو يوم ميلاد الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم وما تزال مستعرة في ظاهرة فريدة وغريبة الى يومنا هذا حسب رواية الكثيرين .
يتوزع سكان أذربيجان البالغ عددهم تسعة ملايين على المذهبين السني والشيعي، والأغلبية الساحقة من شيعة أذربيجان جعفرية. وينتشر "الشيعة" في المناطق الجنوبية من أذربيجان وفي قرى مدينتي باكو وغانجة، في حين يغلب "المذهب السني" على المناطق الشمالية. هذا التوزع الجغرافي أدى إلى انقسام القوميات في أذربيجان بين المذهبين، فينتشر "المذهب الشيعي" بين التاليش القاطنين في جنوب البلاد في حين تعتنق القوميات القاطنة في الشمال من لازغيين وأفاريين وتاتيين "المذهب السني"
لم تشهد أذربيجان صدامات بين السنة والشيعة ولكن في نفس الوقت لم يكن التعايش سلسا بين أتباع المذهبين، حيث كان سنة أذربيجان يعانون منذ عهد الدولة الصفوية من المعاملة كمواطنيين من الدرجة الثانية، ولكن هذا الوضع تغير بعد الاستقلال
قبل وصول الإسلام كان السكان على الديانتين المجوسية والمسيحية تحت الحكم الساساني ووصل الإسلام الى اذربيجان في عهد عمر بن الخطاب، فكانت الحملة الأولى بقيادة عتبة بن فرقد، وعقد المسلمون صلحا مع (المرزبان) حاكم المنطقة، ثم وصل إليهم حذيفة بن اليمان في حملة فتحت أردبيل صلحا واصبح اول حاكم مسلم لاذربيجان
في عهد الأمويين ازداد الانتشار بالمزيد من المهاجرين إلى المنطقة وأضيفت ولاية أرمنيا في عهد هشام بن عبد الملك بقيادة الجراح بن عبدالله الذي قاد الجيوش لغزو الخزر في شمالي اذربيجان، وفي أوائل القرن الثاني الهجري كانت السيادة للإسلام، وازدهرت مدن إسلامية مثل مدينة (ورثان) و(برزند) وانتشرت اللغة العربية خلف الإسلام، حيث أخذت العناصر العربية المهاجرة في دعمها، وهكذا كان انتشار الإسلام في منطقة اذربيجان أسرع من انتشاره في غيرها من البلاد المجاورة
وفي عهد العباسيين استمر ازدهار الدعوة الإسلامية، وتولى يزيد بن أسيد السلمي منطقة الحدود الشمالية واتخد من أذربيجان قاعدة لمد الإسلام إلى الشمال وهكذا استمر دور أذربيجان كقاعدة لبث الإسلام في المنطقة، واحتل السلاجقة المنطقة في القرن الخامس الهجري، ثم حكمها المغول وأصبحت جزءا من امبراطوريتهم ثم أصبحت من أهم معاقل الصفويين، وبعد ذلك حكمها العثمانيون حكما اسميا
الإسلام هو جزء لا يتجزأ من ثقافة شعب أذربيجان. 55٪ من المسلمين الشيعة، 41 ٪ فيما تتوزع النسبة الباقية (4%) على ديانات أخرى؛كالمسيحية، واليهودية، والزرادشتية وهناك نسبة قليلة من الملحدين وأديان أخرى قليلة الأتباع مكانًا في البلد الذي تمتد مساحته اليوم على 86,600 كم . تحت هذه المظلة الواسعة ذات الأغلبية المسلمة تشهد أذربيجان أطيافًا متعددًا من الأعراق والثقافات، وتقدم نموذجًا من التعايش والتعددية يحمل ملامحه الخاصة، وإن كان لا يخرج في صورته الإسلامية عن مجمل تجربة الإسلام في القوقاز.لم أسمع شخصاً أو جهة تنتقد الحكومة والدولة الاذربيجانية في مجال التعايش السلمي، بل على العكس من ذلك تماماً، وبرغم أن أغلبية الشعب الأذربيجاني الشقيق يدين بالإسلام، إلا أن البلد كافح منذ تأسيسه على يد المرحوم حيدرعلييف ليبقى النظام الدولة هو كما كان دوماً واحة رحبة للحريات الدينية، وأرضاً مفتوحة لكل الآراء الملتزمة بأخوّة البشر وإنسانية الإنسان، ومظهراً حضارياً متقدماً يُضرب به المَثل في التعايش والتنوع القومي والديني، وتبادل الأفكار على قاعدة السماحة وحقوق الانسان في المُعتقد، ومن أجل تعايش العائلة الإنسانية بمزيد من المحبة والتفاهم الشامل

الهوية التركية للمجتمع الاذربيجاني
اللغة الأذرية التركية (أذربيجان) تكتب بحروف عربية قبل استبدالها بحروف روسية، وتنقسم لغة الأذري إلى لهجتين شمالية وجنوبية، وتنتمي إلى اللغات التركية وهي اقرب لهجة الى اللغة التركيةفي اناضول وكذلك قريبة جدا من لهجات التركمان في العراق وسوريا ولبنان وايران
ان إهتمام تركيا بجمهورية اذربيجان ، يؤكد الهوية التركية لاذربيجان ويؤكد حتمية التقارب بين الشعبين ، والذي بدى وأنه يطال الفروق المذهبية إذ تطفو على السطح في أذربيجان تصورات التغير المذهبي من الشيعي إلى السني تباعاً إلى الموالاة السياسية والثقافية لتركيا .. ويساعد في هذا ان حقبة الشيوعية في أذربيجان همشت الإنتماء الديني
جميل أن نفتح أعيننا لتجربة في التسامح والتعايش الديني والمذهبي، تجربةأذربيجان يحتذى بها، حالة فريدة من التسامح والتعايش بين كل أطياف الشعب الأذري، وفي كافة امور الحياة الرسمية والشعبية
لم يعطي الشعب التركي في اذربيجان اية فرصة لمن يلعب على أوتار التفرقة بين المذاهب والأديان، والمواطنون على علم وإدراك بأن إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية تعني تربصاً بهم وبمستقبل أبنائهم، لم يعطوا الفرصة لأشباه أو أنصاف الفقهاء كما في الدول العربية وإسلامية يفتون تبعاً للمصالح والأهداف،ويكفرون مع من لا يتفق معهم في فهمهم للدين، أعادوا الدين الى المنطقة الأخلاقية ذات الصلة بالمعاملة وحسن العبادة ورقي الخلق والسلوك الدستور يعترف بمدنية وعلمانية الدولة، والمادة السادسة من دستور ينص على ان اذربيجان دولة علمانية بينما تنص المادة التاسعة عشر على فصل الدين عن الدولة ومساواه بين جميع الاديان امام القانون فضلاً عن الطابع العلماني للنظام التعليمي، لذا ليس غريباً في أذربيجان أن تجد المساجد مفتوحة لكل المنتسبين إلى الإسلام، ليس هناك مساجد لهذه الطائفة، وأخرى لتلك الطائفة، المساجد هناك لأبناء الطائفتين الشيعية والسنية، الكل هناك يصلون معاً جنباً الى جنب دون تعقيدات، وأن خطباء الجمعة يتناوبون الخطابة، مرة خطيب من هذه الطائفة، وأخرى خطيب من تلك الطائفة، والكل لا يثير في هذه الخطب إلا ما يعمق حالة التعايش والتسامح، وليس ما ينكد على الناس عيشهم، أو يجعل بعضهم يخشى الآخر، والمرجعية الدينية مرجعية للكل المسلمين . كما أن العادات والمراسم المتبعة في دفن الأموات مثلا لا تجد فيها فرق بين المسلمين ومقابرهم واحدة
في احدى زياراتي الى بلد الاجداد اذربيجان التركية أدينا صلاة الجمعة بأحد المساجد بمدينة باكو عاصمة أذربيجان مع عدة اصدقاء من اتراك الاذريين كنت أزورها لأول مرة والشغف تملئ في داخلي, اصدقاء كانوا من الطائفتين السنية والشيعية عندما سالتهم الى اي جامع سوف نذهب للصلاة قالو الى الجامع الكبير مسجد » حيدر » هو تحفة معمارية وتعد مئذنتة أعلى مئذنة في دول القوقاز جميعها، ويصل ارتفاعها إلي 90 مترا، ويستوعب سبعة آلاف مصلٍّ ,عند وصولنا لفت نظري الفخامة والنمط المعمارى المميز للمهندسين المحليين، كذلك السجاد التبريزى اليديوي، والساحة الكبيرة امام المسجد المطل على بحر قزوين. كما قلت المسجد يصلى فيه السنة والشيعة معا كل يوم جمعة، أو في الأعياد والصلوات الخمس اليومية
صلاة الجمعة الأسبوعية،يطلقون عليها صلاة الوحدة، وتتم الصلوات بالتناوب،بين المذهبين .عندما دخلت المسجد، مع زملائى، لم أتفاجأ كثيرا، لأننى أديت فى نفس اليوم صلاة الجمعة فى مسجد كبير بالعاصمة باكو، يسمى بالمسجد الأزرق. الامام والخطيب يخطب باللغة التركية الاذرية، ويقرأ القرآن بالعربية، طبعا صلينا جنبا الى جنب دون اية حساسية او تفرقة فيما بين الجميع ,المسجد كان مليئا بالكامل، وهناك مصلون كثيرون لم يجدوا مكانا فظلوا واقفين حتى اقامة الصلوات،فكرة أن يصلى السنة والشيعة فى مسجد واحد، وخلف إمام واحد، مثيرة للانتباه، فى ظل أن مناطق كثيرة فى وطننا العربى صارت تقتل الناس على هوياتهم المذهبية، أو أسمائهم. عندها عرفت ان الدولة والشعب تعاملوا مع المذاهب الدينية بها بصورة مختلفة جعلتني أقدرها أكبر تقدير فالدولة دينها الإسلام نعم، لكنها دولة علمانية، لا تخلط بين الدين والسياسة وتفصل بينهما تماما، وتؤمن بحرية الاعتقاد، ولا تسمح لأي مذهب أن يتدخل في حرية الآخر، أو في عقيدته وفي الصلاة المسجد واحد للشيعة والسنة معا، وإن كان كل فريق قد يتواجد في جزء من المسجد، والآخر في الجزء الثاني، لكن خطيب المسجد واحد والإمام واحد والخطبة واحدة هذا الواقع هو الذي أخفي أي صراعات مذهبية داخل هذه الدولة الواعدة والتي تركز جهودها حاليا علي التضامن الإسلامي الذي طبقته أولا علي أراضيها وبين مسلميها بمذاهبهم المختلفة، ثم بدأت تنادي به علي مستوي كل دول العالم الإسلامي ، ومواجهة الصراعات المذهبية بين طوائف المسلمين كافة التي أصبحت تهدد العالم الإسلامي كله بل وتهدد الدين ذاته
سعدت بما شاهدته بأن السنة والشيعة هما أمة واحدة وأن الحالة الملزمة هي حالة الإسلام وليست حالة الطوائف أو المذاهب، وأن الخليفة أبو بكر الصديق لم يكن مالكيا، وأن علي بن أبي طالب لم يكن شيعيا وجعفريا والخليفة عمر بن الخطاب لم يكن حنبليا، ولم تكن السيدة عائشة أم المؤمنين مثلا مالكية المذهب، ولم يكن عثمان ابن عفان شافعيا أو حنفيا كانوا جميعا مسلمين وفقط. في زمن الرسول لم يسأل أحدا الآخر هل أنت شافعي ؟ أو مالكي؟ أو سني؟ أو شيعي؟ أو جعفري؟ كانوا مسلمين وإخوانا في الدين كما جاء في القرآن الكريم «مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ» ولهذا فإن المذاهب والطوائف ليست قدرا، ويمكننا أن نتجاوزها
يؤمن الشعب الاذري المسلم بان كل شواهد وحوادث التاريخ تؤكد أن اللعب بورقة الدين يأتي بنتائج عكسية، فالدين مقدس ولابد أن يبقى بعيداً عن السياسة، وأن كل صراع ديني ينشأ بين العناصر الفسيفسائية المكونة للمجتمع أو طوائفه أو تياراته أو جماعاته ينخر في جسد الأمة، بل يمزق جسدها، ،لذلك فان الشعب ان اختلفوا في المذاهب ولكنهم الشركاء في الوطن، وإنسانية المواطن بغض النظر عن انتماءه الديني فوق أي انتماء يتعالى أو يتغالب عليه، لذلك ان اهتمام الشعب الاذري ينصب بالتسامح الديني كي لاتصبح البلد ساحة تناطح المعتقدات.أن طريق التوافق والتعايش والتسامح السلمي بين اطياف الشعب لا يصعب على البعض لمشقته، ولكن لأنه حقيقة ضد مصلحة بعض الفاسدين والمصالح في لعبة الكراسي السياسية
هذا النموذج من التعايش بين مكونات المجتمع الأذري ,إذ يضاف إلى ذلك التطور السريع في البلاد، فهذه الدولة التي استقلت عام 1991 بعد تفكك الاتحاد السوفيتي حققت تقدماً ملحوظاً على صعيد اقتصادها بفضل إصلاحات اقتصادية جدية قامت بها، وهو الأمر جعل البنك الدولي يعدّها من الدول العشر الأُول التي خطت خطوات واسعة في مجالات الإصلاح التنظيمي والإداري عموماً، قامت بذلك وحاربت الفساد والإفساد بمنتهى الجدية دون شعارات رنانة. أذربيجان كانت وما زالت صديقة وحليفة للاوفياء على مصالح الشعوب ومستقبلها، مِمَن يتمتعون بصدقية في نطق الكلمة.
لم أسمع شخصاً أو جهة تنتقد الحكومة والدولة الاذربيجانية في هذا المجال، بل على العكس من ذلك تماماً، وبرغم أن أغلبية الشعب الأذربيجاني الشقيق يدين بالإسلام، إلا أن البلد كافح منذ تأسيسه على يد المرحوم وقائد الأمة الوسطي والشهير حيدرعلييف؛ وعلى يد الرئيس الحكيم إلهام علييف؛ ليبقى النظام هو هو كما كان دوماً واحة رحبة للحريات الدينية، وأرضاً مفتوحة لكل الآراء الملتزمة بأخوّة البشر وإنسانية الإنسان، ومظهراً حضارياً متقدماً يُضرب به المَثل في التعايش والتنوع القومي والديني، ولناحية التعاون العميق في مجال الأديان والتدين؛ وتبادل الأفكار على قاعدة السماحة وحقوق الانسان في المُعتقد، ومن أجل تعايش العائلة الإنسانية بمزيد من المحبة والتفاهم الشامل
وفي أذربيجان تتعايش بعلانية وحرية تامة المذاهب الإسلامية والمسيحية، وبذلك تقدم أذربيجان نموذجاً يُحتذى للعالم في وحدة الشعوب بتعدديتها الدينية والفكرية
وبالرغم من احتلال أرمينيا لعشرين بالمئة من الأراضي الأذربيجانية منطقة قره باغ المحتلة منذ عهد ما يُسمّى بـِ "بيريسترويكا" غورباتشوف ويلتسين العدوين للشعب الأذربيجاني لعدوانهما على الأذربيجانيين في تلك الفترة تواصل باكو السير في توجهاتها وعقيدتها التسامحية، وها هي تحافظ على أبوابها مُشرعة تماماً بالرغم من تعديات جارتها الارمنيةالغاصبة أمام مختلف القوميات والأديان، انعكاساً للذات الأذربيجانية السمحة
ولهذا، نرى كيف تعمل في أذربيجان بكل حرية جهات عديدة، منها الكنيسة الرسولية الأرمينية، وبطريرية موسكو وسائر الروسيا وكنيستها الأرثوذكسية الروسية، والطائفة الموسوية، وغيرها كالزاردشتية
كيف نجح النموذج التسامح المذهبي بين الشعب الأذري التركي؟
جمهوية أذربيجان التركية جمهورية ودولة الاوفياء،ونموذج عالمي يُحتذى لهذا السبب تجتذب التجربة الأذر التركية في مجال الحريات الدينية وحرية العقل والضمير شعوب العالم وهيئاته الاجتماعية والسياسية والإنسانية المختلفة. ولهذا بالذات نرى أن الدولة الأذربيجانية تتمتع بعلاقات أكثر من ممتازة مع ممثلي الأديان الأخرى، والطوائف الدينية مثل المسيحية، فالنظام الأذري متعدد الديانات والمذاهب، وإن كانت الأغلبية في البلاد تدين بالاسلام
نرى ان تمركز مسلموا الشيعة الاذريين في العاصمة باكو ولنكران والقرى المحيطة بهما؛ بينما يتمركز مسلموا السنة في شمال البلاد, وهم يقعون فى منطقة حساسة، بين قوتين كبيرتين روسيا وإيران، ودولة ثالثة هى أرمينيا، التى تحتل إقليم كارباخ ومناطق أخرى تشكل ٢٠٪‏ من مساحة بلادهم، وبالتالى، ليسوا فى حاجة لمزيد من المشكلات.في أذربيجان كثيرًا ما تسمع عبارة مثل: "هذا هو أكثر بلد مسلم علماني في العالم"، وتبدو هذه المقولة صائبة إلى درجة كبيرة بالنظر إلى التزام الناس بالعبادات الإسلامية بصورة صارمة، فضلاً عن غياب الكثير من المظاهر التي تجدها في المجتمعات الإسلامية، وعلى الرغم من وجود المحجبات في الشوارع؛ فإنه وجود قليل مقارنة بالغالبية العظمى من النساء، ومع ذلك يُثير الناس هناك الكثير من الأسئلة بشأن إلزامية الكثير من الأحكام الإسلامية المتعلقة بالعبادات. ووفقًا لبعض المؤشرات يمثل الإسلام بالنسبة إلى معظم أذربيجان المسلمين مسألة روحية خاصة، وإن ٩٥٪ من الشعب غير مهتم بانتمائه الطائفى، عند السؤال لاي شخص في اذربيجان عن انتمائه الطائفي يقولون منذ سنوات طويلة ان اجدادهم كانوا سنيون، ولكن هناك ٥٪ فقط تقريبا يحاولون اللعب على الأوتار الطائفية، والدولة تتابعهم جيدا، وتقول لهم لنركز على أننا جميعا أذربيجانيون.تقول الاحصائيات ان (20%) من الأذربيجانيين يمارسون الشعائر الدينية بانتظام، وأقل من 40% تحصر هذه الممارسة في الأعياد، وتقول دراسة أخرى: إن أقل من 9% من الأذربيجانيين يواظبون على حضور الشعائر الدينية مرة واحدة في الأسبوع أو أكثر؛ وتصل نسبة مَنْ يواظبون على الصيام 14%، وتقل نسبة مَنْ يواظبون على الصلاة عن 19%. إن الإسلام هو جزء أصيل من الهوية الاجتماعية والثقافية، تجده في العلاقة والصدام مع (روسيا وأرمينيا، الاستقلال، احتلال إقليم كراباخ)، وفي التقاليد المحافظة للعائلات، ويبدو حاضرًا في مراسم الزواج والوفاة، وتجده بصورة واضحة أحيانًا ومستترة أحيانًا أخرى على مستويات عدة في المجتمع
بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ظهرت معالم الصحوة الإسلامية على العلن. وفقا لمصادر سوفييتية ففي أواخر السبعينات كان يوجد حوالي ألف بيت لإقامة الصلاة سرا و300 مكان آخر لتعريف الناس بشعائر الحج وهذا الأمر أدى إلى افتتاح العديد من المساجد
الدعم الإيراني لارمينيا الغير محدود لاحتلال منطقة قره باغ الاذربيجانية
تنخرط ايران بمزيد من الأعمال العدائية مع محيطها العربي والاسلامي، حيث يسود التوتر علاقاتها مع أغلب دول الجوار ، بما في ذلك انفجار الوضع العسكري من جديد في منطقة "ناغورني قره باغ الاذرية المحتلة من قبل ارمينيا "طبعا هذه مادة جديدة لسجال إقليمي ودولي تشارك فيه إيران عن كثب، دفاعا عما تعتبره مصالح أمنها القومي، بعيدا عن الانتماءات الدينية أو الثقافية التي استخدمتها في مناطق أخرى من أجل فرض نفوذها ففي أزمة "قره باغ"، تنحاز إيران دون تردد إلى جانب أرمينيا الغاصبة والمحتلة لاراضي اذرية ضد أذربيجان، رغم القاسم المشترك المذهبي والثقافي الذي يجمعهما مع قسم من الشعب الاذري في داخل ايران والتي توجد فيها حوالي اكثر من 40 مليون من القومية الاذرية ويتكلمون بلغتهم الاذرية التركية وميولهم القومي للاتراك وليس لمذهبهم ، إلا أن صراعها على النفوذ الإقليمي مع تركيا من شرق المتوسط إلى ما وراء القوقاز، وحماية حصتها النفطية من بحر قزوين، والقلق الذي يجمعها مع حليفتها موسكو، من تحكم أنقرة في طرقات نقل الطاقة من هذه المناطق إلى المياه الدافئة، جعلها في الموقع المخالف للمنطق الذي تدعيه منذ قيام الجمهورية الإسلامية سنة 1979، كثورة تدافع عن المستضعفين، وكعاصمة للإسلام الثوري الشيعي، والحامية لمصالحهم في العالم، وهو ادعاء ما لبث أن تحول سريعا إلى أداة تستخدمها طهران من أجل زعزعة استقرار عدة دول، بهدف فرض هيمنتها السياسية كما تفعل الآن في سوريا والعراق واليمين، إلا أن طهران أسقطت البعد الشيعي من حساباتها في أذربيجان، والنزاع على إقليم "ناغورني قره باغ"، حيث تتهم حكومة اذربيجان حكام ايران بأنها منذ اندلاع الأحداث الأولى 1994 ¬ 1988 بالانحياز إلى أرمينيا، وتقديم دعم مادي وعسكري لها، وإرسال خبراء من الحرس الثوري لمساعدتها في مواجهة الأذربيجانيين ذات الاغلبية الشيعة
لم تشفع انتماء قسم من الأذربيجانيين إلى المذهب الشيعي في تخفيف حدة توترهم مع جارتهم إيران الشيعية، فقد طغى العامل القومي على المذهبي في العلاقة المريبة بينهما، بسبب تقدم النزعة القومية على الدينية وسط الأذربيجانيين الاتراك، هذا البعد الذي أعاق أغلب محاولات طهران في تظهير حالة إسلامية أذربيجانية، تؤسس من خلالها لنفوذ طويل الأمد وسط الأذربيجانيين، الذين تمسكوا بالطبيعة العلمانية لنظامهم من خلال الدستور، هذا الانتماء يشكل حالة قلق دائمة لطهران، التي تتخوف من زيادة نفوذ التيارات القومية وسط مواطنيها الأذريين المحليين في اذربيجان الجنوبية عاصمتها تبريز والذين يفوق اعدادهم اكثر من نصف سكان ايران ، كذلك كردة فعل على الشعوبية الفارسية التي تمارسها السلطات في طهران ضد الأقليات الإيرانية، إضافة إلى النزاعات الانفصالية التي تدعو إلى العودة إلى الوطن الأم اذربيجان . طبعا هذه الأصوات التي باتت تلاقي صدى مسموعا في باكو لدى الشعب الاذري ففي سنة 2013، طالب أعضاء في مجلس النواب الأذربيجاني بتغيير اسم بلادهم من جمهورية أذربيجان إلى جمهورية أذربيجان الشمالية، من أجل تذكير العالم أن ثلثي أراضي أذربيجان التاريخية تقع داخل حدود إيران الحالية، حيث يبلغ أيضا عدد الإيرانيين الأذريين اربعة اضعاف عدد سكان جمهورية أذربيجان،كما أن طهران تنظر بعين الريبة والقلق إلى العلاقة المتينة بين أنقرة وباكو، حيث استغل الأتراك البعد القومي في علاقتهم مع أذربيجان، واعتبارها جزءا من مصالح الأمن القومي التركي، وشريكا اقتصاديا وأمنيا، يسمح لأنقرة بممارسة دور فعال في استقرار منطقة ما وراء القوقاز، التي تؤثر مباشرة على إمدادات الطاقة من روسيا وآسيا الوسطى ودول حوض بحر قزوين إلى الأسواق الأوروبية عبر تركيا
ان العلاقة التاريخية بين الإيرانيون والأذريون والتي تؤرخ للعلاقة السيئة بينهما دائما، فالدولة الإيرانية المركزية وإن قبلت مرغمة التعامل مع أذربيجان كدولة مستقلة ذات سيادة، إلا أنها لا يمكن أن تتجاوز أو تنسى أن أذربيجان، كانت جزءا من جغرافيا الإمبراطورية الفارسية الدولة الكسروية، إلى أن تخلى عنها شاه إيران القاجاري "فاتح علي شاه" لروسيا القيصرية بموجب اتفاقية "غولستان 1813"، ومن بعدها اتفاقية "تركمانشاي 1828"، حيث انتقلت بموجبهما السيادة على إمارات بحر الخزر، وما وراء القوقاز من إيران إلى روسيا، إلا أن هذا الانتقال خلف وراءه تعقيدات جيو إثنية بين شعوب المنطقة، تسببت بعدة حروب عرقية ودينية، وحالة عدم استقرار في منطقة بالغة الأهمية، من حيث مواردها الطبيعية وموقعها الجغرافي، حيث يدور الصراع بين الدول الكبرى والإقليمية على إنتاج الطاقة، وعبورها إلى الأسواق العالمية، فيما بات يعرف اليوم بطريق الحرير الجديد.لذلك نجد بان إيران لا تقيم وزنا لأي اعتبارات خارج نظام مصالحها، وقضية "قره باغ الاذربيجانية المحتلة من قبل ارمينيا" دليل على أنها تستغل الورقة الشيعية من أجل مصالحها فقط في المنطقة العربية
باختصار شديد، ان التجربة الأذربيجانية في التعايش السلمي تستحق التأمل على كل الصُعد المذكورة،على الأقل علينا أن نبحث فيما إذا كان بمقدور هذه الدولة أن تحقق ما بلغته من تقدم لو كانت حالة التناغم والتعايش المشهودة بين كل مكونات المجتمع غائبة أو مغيبة..؟!
المصادر
أذربيجان.. التعددية الدينية وتحديات بناء الهوية للباحثة فاطمة الصمادي موقع الجزيرة نت *.
أذربيجان وتجربة التسامح والتعايش للباحث خليل يوسف المنشور في موقع الايام.
أذربيجان .. بين الإهمال الإيراني والاهتمام التركي الكاتب والباحث في الشأن الروسي عبد الفتاح أبوطاحون المنشور في موقع ترك بوست
باكو عاصمة الثقافة الإسلامية وموطن الفن والجمال أسامة أبو السعود جريدة الانباء .
http://suriyeturkmenleri.com/7-blog&catID=373








Arkad‏‎na gِnder