Turkish Arabic
 
2020-09-12   Arkad‏‎na gِnder
230 (137)


قبل وبعد المنصب


محمد هاشم الصالحي


في نهاية عام 2007 بلغني خبر مفجع مفاده وفاة والد أحد أصدقائي المقربين. سارعت إلى حضور مجلس العزاء المقام في جامع كركوك الكبير بمركز المدينة. دخلت مجلس العزاء والقيت السلام على الواقفين من ذوي الفقيد وجلست إلى جانب صديق لي إسمه سمير كان قد حضر المجلس قبلي بدقائق وقرأنا الفاتحة معاً.
من العادة بعد الإنتهاء من قراءة سورة الفاتحة يقوم أصحاب العزاء بإلقاء التحية على القادمين من المعزين (الله بالخير)، وكل من مكانه ومن ثم ينتهي الترحيب بالمعزين. إلاّ أنني لاحظت أن ذوي المتوفي يرحبون بي ترحيباً حاراً جدًا جداً، بل ويشددون على الترحيب بي وهم ينهضون من أماكنهم ويقتربون مني ويقولون (الله بالخير استاذ) وينهال عليّ الترحيب من كل حدب وصوب. ترحيب مبالغ فيه إلى حد كبير والحقيقة لم أكن معتاداً عليه من قبل. قلت في قرارة نفسي أن صديقي هذا قد يكون يحبني جداً وأنا صديقه المفضل، وقد أكون أنا في غفلة من هذا وها هو الان يعرب عن عظيم حبه لي بهذا الترحيب الساخن. لكن ما بهم إخوانه وأعمامه وكل الحاضرين يفعلون معي ذات الشيء؟ فهم أيضاً يرحبون بي ويقدمون الخطى للتقرب مني ومن ثم الترحيب دون الأخرين وليست كما جرت العادة أن يرحب أصحاب العزاء بالمعزي من أماكنهم ليس إلاّ.
أمام هذا المنظر من الترحيب الإستثنائي نهضت من مكاني لأرد لهم التحية. فليس من المنطق أن أبقى جالساً أمام هذا المشهد من حفاوة الترحيب. وما أن قمت من مكاني حتى مسك صديقي سمير الجالس يميني من يدي وسحبني لأجلس. تعجبت لهذا الأمر ونظرت إلى سمير بدهشة. سمير لم يترك لي فرصة السؤال حتى همس في أذني قائلا: مدير الشرطة جالس خلفك تماماً وهذا الترحيب الحار له وليس لك!!.
عندها توضحت الصورة وكشف الغطاء عن بصري وعدت إلى أدراجي وصارت الأمور طبيعية وتبددت دهشتي. هذه الحفاوة إنما لمدير الشرطة الذي يجلس خلفي تماماً وليس لي أنا العبد الفقير لله.
الحالة هذه التي مرت عليها ما يقارب 13 سنة استذكرتها اليوم بعد شاهدت الأخ الصغير لصديقي إبن المرحوم وهو يقف أمام مبنى محافظة كركوك متظاهراً مع المهندسين الشباب الذين يقفون هناك منذ أيام مطالبين بالتعيين. وقفت معه ودعوت الله أن يسهل أمرهم في إيجاد فرص عمل، فهم شباب وخريجي كلية الهندسة بأقسامه المختلفة. قلت له إنكم على علاقة عائلية وطيدة مع السيد مدير الشرطة فلان الفلاني فلماذا لا تذهبون إليه لطلب المساعدة والتوسط لغرض تعيينك. رد عليّ قائلا: "يمعود هو فد واحد متقاعد لا يحل ولا يربط".
عندها إستذكرت المشهد المسرحي الذي عرض أمامي في قاعة المناسبات بجامع كركوك، وشتّان بين الأمس حيث مدير الشرطة وهو في منصبه وبين اليوم ومدير الشرطة قد أحيل على التقاعد وأصبح لا يحل ولا يربط.


Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  محمد هاشم الصالحي

31 - لكل من ينشر صور الاطعمة مع التحية
32 - انـا وطيــور الحـــب
33 - الســيد الـرئيـــس
34 - التجــدد في التغــــيير
35 - مهرجان المسرح التركماني الثالث
36 - المواقف مرأة الوطنية والقومية
37 - انتخابات ابو المطعم الحرة والنزيهة
38 - أنا و أبي و لعــبة الشــطرنج
39 - ذكرى مجزرة التون كوبرو والانتقادات
40 - سأفتقد صديقا عزيزا
41 - مناهج دراسية مفبركة
42 - المهندس المعماري انور زين العابدين بياتلى.. الراحل بصمت
43 - ايــام الحصـــار
44 - طاقة كامنة
45 - يوم الخميس.. علاء الدين سينما الاطفال خيرية حبيب خمائل
46 - شــريط احصــائي
47 - بعد عشرين عاما امنت بنظرية داود.. عمي دخن وهي تصف
48 - مفهوم الحزب كما افهمه انا
49 - شعب ينتظر عمل ولا ينتظر صور
50 - مطلوب لص
51 - التركمان بين المركز والاقليم
52 - يكتبون لنا التاريخ ويرسمون لنا الجغرافيا
53 - عراق موحد
54 - وكم منزلا في الارض يألفه الفتى
55 - حكاية تركمانية تبكي الحجر قبل البشر
56 - سفينة السلام تبحر ومن عليها يهتف للجلاد والتركمان يقتلون في التون كوبرو
57 - استثمار الجهل
58 - هل جزاء الاحسان الا الاحسان؟
59 - صراع الوجود القومي التركماني والتيارات المذهبية
60 - وزارة للتركمان منصب قومي وليس ديني مذهبي
>>التالي >> <<السابق <<