Turkish Arabic
 
2020-05-14   Arkad‏‎na gِnder
105 (85)


تلعفر ... عربية ام تركمانية ؟


ابو عمار الكاتب

مرت تلعفر بأدوار تاريخية متعددة تبعا للدول والإمبراطوريات التي كانت تحكم المنطقة ، فتارةً هي سومرية وأخرى اكدية وحيناً بابلية ورابعة آشورية ... الخ ، وعندما وصلتها الفتوحات الاسلامية كان من الطبيعي ان تسكنها القبائل العربية التي جاءت مع الجيوش وتستقر فيها لتكتسب المدينة والمنطقة طابعها العربي والإسلامي

على الارجح ان تلعفر بقيت مدينة ذات طابع عربي حتى سنة 433 هـ / 1041 م ، ففي هذه السنة دخلت موجة كبيرة من التركمان الى العراق قادمة من اذربيجان والتي سميت بـ ( الغز العراقية ) او ( بلخان تركمان ) فحاصروا جزيرة ابن عمر ثم تفرقوا في أنحاء الموصل وسنجار وتلعفر واستقروا في تلك المناطق

وما يؤيد قولنا آنفاً :

1- ان المؤرخين العرب والمسلمين عندما ذكروا تلعفر في كتبهم ورحلاتهم لم يكونوا يميزونها عن بقية المدن العربية ، ولم يذكر احد منهم ان سكانها من التركمان او ان في ساكنيها تركمان خلال هذه الفترة وما قبلها

2- يذكر المؤرخون ان تلعفر كانت في العصر الاموي موطنا للخوارج الذين كان اغلبهم من قبيلة بني شيبان العربية ، وليس هناك أي ذكر او اشارة الى الخوارج او السكان المحليين من التركمان

3- يذكر المؤرخون هذه العبارة : (( وعندما تولى بدر الدين لؤلؤ امارة الموصل جلب إلى تلعفر بعض العشائر التركمانية وأسكنهم فيها بعد تغلبه على ابن المشطوب سنة 617 هـ / 1218 م ... )) ، والمعنى المخالف ان تلعفر كانت ذات صبغة عربية حتى جاء بدر الدين لؤلؤ واسكن فيها عشائر تركمانية ربما لإحداث نوع من التغيير السكاني والقومي في المنطقة

4- لدينا شاعر كبير ومشهور ظهر في هذه الفترة هو الشهاب التلعفري ( 592 – 675 هـ ) ( 1197 – 1277 م ) ويذكرون في ترجمة سيرته ان لقبه ( الشيباني ) وبنو شيبان قبيلة عربية تنتمي الى بكر بن وائل ولا شك ، كما اننا لم نجد أي نص او قصيدة للشاعر مكتوبا باللغة التركمانية ، إذ ان كل اشعاره وقصائده كتبت باللغة العربية

5- ظهور مجموعة من الشعراء والفقهاء ، لم يتكلموا او يكتبوا سوى باللغة العربية ولم يكونوا يعرفون التركمانية ، نذكر منهم :
موفق الدين مظفر بن محمد التلعفري ، فيلسوف من الشعراء ( ت سنة 602 هـ / 1205 م )
محمد بن جوهر بن محمد بن مالك الصوفي المقرئ المجوّد ( ت سنة 696 هـ / 1296 م )
الشاعر جمال الدين بن علي بن الحسن التلعفري ( ت سنة 761 هـ / 1359 م )
البدر ابو محمد حسن بن علي بن حسن بن علي التلعفري المقرئ والفقيه ( ت سنة 814 هـ / 1411 م (

اما كيف اصبحت تلعفر مدينة تركمانية ؟

في عهد السلاجقة ( 447 هـ / 1055 م ) ازدهرت تلعفر ازدهـارا كبيراً - خاصة أيام السلطان طغرل بك الكبير - نتيجة لعدة عوامل من أبرزها التنافس في انشاء الاقطاعات بين أمراء هذه الدولة ، وكانت تلعفر ضمن هذه الاقطاعات التي كانت توهب من قبل السلطان السلجوقي الى أمراء الأقاليم ، في هذه الحقبة وفدت مجاميع تركمانية كبيرة مع السلاجقة الى العراق ، استوطن قسم منها جنوب تلعفر ، وأسسوا هناك مجموعة من القرى الزراعية منها : قزيل قويو، ترسه آرخ كويو ، خضر الياس كويو ، صوپان ( قرب آثار مدينة تل الرماح ) ، مارزب وقره تپة ... الخ

يقول : Anderson & Stansfield على مدى مائة وخمسين سنة شكل الاتراك السلاجقة مجتمعات كبيرة من التركمان على طول الطرق الاكثر اهمية في شمال العراق ، وخاصة تلعفر واربيل وكركوك ومندلي ، والتي تعرف الآن من قبل المجتمع الحديث بـ( توركمن ايلى )

ازداد الوجود التركي في تلعفر مع تأسيس دولة اتابكة الموصل سنة 521 هـ / 1127 م بزعامة عماد الدين زنكي ، ويشير الدكتور قحطان عبوش الى ذلك بقوله : (( وقد وجدت جماعات التركمان فيها وفي بلاد الجزيرة في العهود العباسية الاخيرة كالسلاجقة والاتابكة لكننا لا نعلم بالضبط متى اصبحت تلعفر بلدة ذات غالبية تركمانية ))

ولعل تفسير الدكتور قحطان عبوش اقرب الى الواقع اذ يقول : بعد سقوط بغداد بيد هولاكو سقطت هي ايضا مع الموصل على يد قائده سمداغو في سنة 660 هـ / 1262 م واصبحت جزءاً من الدولة الايلخانية ، فساءت احوالها وتدهورت زراعتها وتقلص سكانها تدريجياً ... ولعل بعض سكانها العرب نزحوا عنها في هذه الفترة بسبب سنين القحط والمجاعات وجرياً على عادة العرب في التنقل والترحال

وبدخول جيش المغول الى العراق دخل معهم جمع غفير من قبائل الاتراك المختلفة ، يقول كارلتون كون : (( وكان في عداد هذه الوحدات الاجنبية كثير من الاتراك ، بل ان الاتراك فاقوا المغول عدداً بمقدار كبير )) ، واثبت الاستاذ عباس العزاوي نزوح قسم من القبائل التركمانية الى العراق امام الجيوش المغولية او معها واستيطانهم واستقرارهم في العراق ، فلا غرابة ان يكون لتلعفر نصيب من هذا الاستيطان التركماني القادم مع الفاتحين الجدد

بعد غزوات تيمور سنة 795 هـ / 1393 م وفدت موجة اخرى على هيئة تجمعات قبلية الـى الاطراف الشرقية من تلعفر ، وأنشأت هناك مجموعة من القرى والمستوطنات الزراعية كـ ( بوخور - حمره - جمعة - شيخ ابراهيم - تل شيبا - مسعود مگرود - ممد گولو - قراولى - جگان خرابى - صنبر ) ، وبعد زيادة اعدادهم اصبحوا عشائر كبيرة لم تستوعبهم قراهم فأنتقل الكثير منهم للاستيطان في الاحياء الداخلية لتلعفر ليحلوا محل ما تبقى من سكانها العرب الذين رحلوا عنها

تعزز الوجود التركي في تلعفر مع تعاقب الدول التركمانية التالية على حكم العراق لمدة تقارب القرنين من الزمان :

المغول الجلائريون أو الايلخانات ( 738 -814 هـ ) ( 1338 – 1411 )
دولة قره قوينلو (814 – 872 هـ ) ( 1411 – 1469 )
دولة آق قوينلو ( 872 – 914 هـ ) ( 1469 – 1508 )
الصفويون ( 914 – 941 هـ ) ( 1508 – 1534 م )

يقول الدكتور مصطفى جواد عن هؤلاء :

لقد اختلطت قبائل هؤلاء بسكان المناطق الواقعة في الشمال الشرقي من العراق وفي شماله واكثرهم من الترك والكرد ، وكان اختلاطهم بالشعب مستمراً قبل التاريخ الاول وبعد التاريخ الثاني بحيث لم يعد من التركمان اليوم من يستطيع ان ينفي انه ( قره قوينلو او آق قويتلو ) ولا ان يثبت ذلك

واثناء الفتوحات العثمانية قدم اكبر موجة من موجات الهجرة والاستيطان التركماني الى العراق عموماً وتلعفر بشكل خـاص علـى هيئة حاميات عسكرية مـن جنود الدولـة العثمانية مـع اسرهم فـي فـترات متفاوتة من الحكم العثماني بدءاً من عهد السلطان سليم خان الاول ( 1521 م ) والسلطان سليمان القانوني ( 1534 م ) والسلطان مراد الرابع ( 1639 م )

وقد شجع العثمانيون الهجرة من الأناضول وتوطين التركمان المهاجرين على طول شمال العراق ، كما تم جلب علماء الدين أيضا لنشر المذهب السنى الحنفي مع التركمان الموالين الذين يسكنون المنطقة ، وليتمكنوا من الحفاظ على طريق آمن إلى المقاطعات الجنوبية لبلاد الرافدين

واخذ البعض من افراد هذه الحاميات العسكرية الذين استقروا نهائياً مع أسرهم في تلك المدن والقصبات يتعاطى التجارة فيها او يمارس الحرف التي كان يمتهنها ، وقد سهل وجود السلطة في ايديهم عملية توطنهم واستحواذهم على الاراضي الزراعية او ممارسة صنوف التجارة او الحرف اليدوية ، وادّى استقرارهم في تلك البقاع الى اختلاطهم بالسكان واقتباس عاداتهم وتقاليدهم فتأثروا و اثّروا فيها خاصة بعد نشوء علاقات المصاهرة بين السكان الاصليين والوافدين الجدد




Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  ابو عمار الكاتب

1 - قـرية فقـة
2 - البيت التلعفري ايام زمان
3 - اسماء تلعفر عبر التاريخ
4 - المدرسة الابتدائية العثمانية الاولى في تلعفر
5 - قائـممقامية قضـاء تلعفـر :
6 - بسـاتين تلعفـر
7 - لغة سكان تلعفـر
8 - محلـة السـراي في تلعفر :
9 - مسـاهمة التلعفـريين فـي الحـروب الصليبية
10 - من تقاليدنا الجميلة: الچومچله
11 - الماء والكهرباء في تلعفر
12 - طقـوس العيـد فـي تلعفـر ايام زمـان
13 - التصوير الفوتوغرافي في تلعفر :
14 - النخـيل فـي تلعـفر :
15 - سـياسـة التتريـك وأثـرها فـي مجتمـع تـلعفـر- الجزء الاول