Turkish Arabic
 
2020-03-31   Arkad‏‎na gِnder
241 (140)


العـم مهـدي عسـكر


محمد هاشم الصالحي


بعد الانتهاء من الدراسة الجامعية والخدمة العسكرية، وبعد ان رفضت الدولة العراقية قبول تعييني في الوظيفة بحسب شهادتي الجامعية لانتمائي الى القومية التركمانية، توجهت الى العمل في السوق. مكتب صغير في مركز مدينة كركوك اعمل فيه خطاطا ومترجما في الان ذاته. كان في السوق اصناف مختلفة من البشر حيث الحصار الاقتصادي وانعدام الرواتب قد ساقهم الى الاسواق بحثا عن عمل والبحث عن رصيف ما ليؤمنوا لعيالهم لقمة بالحلال. اغلب الموظفين والمتقاعدين كانوا يعملون في السوق رغم تقدم اعمارهم. ومن هؤلاء الاشخاص العم مهدي عسكر المعروف لدى العامة بـ (ابو فهمي).

ابو فهمي العم الطيب من اهالي قضاء داقوق كان متقاعدا من الجيش. انسان ولا اطيب منه متسامح مع الجميع ورغم مصاعب الحياة آنذاك فالبسمة لا تفارق وجنتيه. كسب بطبعه الحلو هذا حب جميع العاملين في السوق ويتعامل مع الجميع على اساس الانسانية ليس الا. اعتبر نفسي محظوظا للغاية، فان ابو فهمي يعمل في مكتبة الامين عند صديق دراستي نهاد امين والمحل يبعد عني سبعة امتار فقط. كنت اقضي اغلب الاحيان بالتحدث الى ابو فهمي. استفيد منه الكثير فانه صاحب تجارب حياتية كثيرة ولا يبخل علينا بالنصح الممزوج بروح الفكاهة. كنت يومها بعمر السابعة والعشرون وهو في السبعون.

مقولة جذبت انتباهي قالها ابو فهمي حين مرة. حيث الناس العاملون في السوق يشتكون وقد قال احد الاشخاص لقد مت من التعب. عندها قال ابو فهمي هل تحسب انك ستدرك الموت بهذه السهولة؟ لا تقل مت بل قل تعبت للغاية او مرضت على اكثر تقدير. فالموت يتطلب مراحل تسبقه مثل الالم والسخونة والسكرات والآم لم تألفها، وبعد كل هذا يأتي الموت وليست الحكاية بهذه البساطة. حكمة قالها ابو فهمي فان الموت لا يأتي برهة الا ما ندر. غالبا ما يحتاج الامر الى تضحيات وخسائر وادوية وتحمل وصبر وحرمان والبقاء في الفراش وسهر الليالي واذلال المستشفيات وما الى ذلك. ابو فهمي يقصد ان الاحوال لا تتغير بسهولة كما تشتهيها الانفس احيانا ودون مقدمات.

حكمة لفتت انتباهي وهي ليست لحياة الفرد الواحد فحسب، بل تنعكس وتفيد الامم التي تريد الخلاص وحالها يتطلب كذلك الكثير من التضحيات وقد تكون احيانا جساما. فلا يأتي الشيء جاهزا حاضرا على الاطلاق.

في زمن الكورونا هذا استذكر على الدوام مقولة ابو فهمي الشهيرة، بأن الامر يتطلب مقدمات وليس لنا ان نتعافى من البلاء بغمضة عين. التدهور الاقتصادي الذي يهدد البلاد والعباد ليس من شانه ان يزول بليلة. وليست للأمور ان تنفرج بمجرد إشراقة شمس يوم جديد. الامر يتطلب السخونة والعياء كما قاله العم ابو فهمي. فليس للغمائم السوداء التي تلف سماء الارض ان تنجلي الا بعد ان تمطر الكثير من اوزارها على الثرى بعد ان اصبحت الليالي حبلى من الزمان والاوطان ثكالى.

اسال الله العافية لأبو فهمي العم مهدي عسكر ولكم جميعا.


Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  محمد هاشم الصالحي

1 - قبل وبعد المنصب
2 - في حيينا جامعان
3 - ساري العبد الله
4 - حيــاة متقـــاعد
5 - دعـــاء
6 - لمطلوب إثبــاته
7 - تـدرج وظيـفي
8 - الخـير يخـص والشـر يعـم
9 - وزيــر تركمــاني
10 - خارج اسوار المقبرة
11 - بعض الظن
12 - متين عبد الله وحكاياته المدرسية
13 - بنزين عـادي بنزين محــسن
14 - الـوطن للرئيــس ولأبنــاء الرئيــس
15 - من كان يعــبد محــمداً..
16 - نفــط العــرب للعــرب
17 - انتحــار ســـياسي
18 - ندوة لتطوير الفن التركماني
19 - نومــا هانئـا للجمــيع
20 - خريج مريج..
21 - لكل من ينشر صور الاطعمة مع التحية
22 - انـا وطيــور الحـــب
23 - الســيد الـرئيـــس
24 - التجــدد في التغــــيير
25 - مهرجان المسرح التركماني الثالث
26 - المواقف مرأة الوطنية والقومية
27 - انتخابات ابو المطعم الحرة والنزيهة
28 - أنا و أبي و لعــبة الشــطرنج
29 - ذكرى مجزرة التون كوبرو والانتقادات
30 - سأفتقد صديقا عزيزا
>>التالي >>