Turkish Arabic
 
2020-03-15   Arkad‏‎na gِnder
27 (23)


البيت التلعفري ايام زمان


ابو عمار الكاتب

ان هندسة البيت التلعفري هي ذاتها التي عرفها اسلافنا السومريون والآشوريون والبابليون وغيرهم من الشعوب التي استوطنت العراق منذ القدم ، والمتمثلة بفناء واسع ( الحوش ) مفتوح وغير مسقّف ، تقوم حوله حجرات البيت وبقية ملحقاته ، وهو النمط المعروف عندنا بـ ( البناء الشرقـي )
كان الجص والحجر هما العنصران الاساسيان في بناء البيوت لدى سكان تلعفر ، الامر الذي منح جدران البيت مقاومة تقلبات الطقس وتأقلمه مع تغير المناخ في الصيف والشتاء ، فالجص والحجارة من المواد البطيئة الايصال للحرارة والبرودة فتساعد في معالجة الظروف المناخية القاسية ، كما ان سمك الجدران الذي قد يصل الى متر واحد جعلها تقاوم عاديات الزمن والبقاء اطول مدة ممكنة مع الحفاظ على متانتها
كان الجص يصنّع محلياً بواسطة افران حجرية عملاقة تسمى ( الكور ) او ( مخطـر ) بلهجة تلعفر ، كانت تبنى في اطراف المدينة بعيداً عن العمران ، وكان من اشهرها الاكوار التي كانت موجودة في طوپ تپه ( حي الربيع حالياً ) اذ توضع كميات كبيرة من حجر الكلس ( قاية ) في الكور وتسلط عليه درجات حرارة هائلة حتى تتفتت وتتحول تدريجياً الى مسحوق ناعم ، اما الحجر فكان يجلب من التلال والاودية المنتشرة في اطراف المدينة ، بعد تقطيع الصخور من قبل اناس اختصوا بهذه المهنة الشاقة

كانت حجرات البيت متصلة فيما بينها وغالباً ما يتوسطها الايوان وهو فراغ كبير بين غرفتين يتميز بسقفه العالي قياساً الى سقوف الغرف الاخرى ، ويكون مفتوحاً على الحوش وعلى شكل تجويف والذي كان يعد بمثابة الهول في التصاميم الحديثة ، اما غرفة الضيوف ( الاستقبال ) فكان موقعها قرب الباب الخارجي للبيت وغالباً ما كانوا يهتمون بها وبتنسيقها ونظافتها لأنها تعكس الوجه الحقيقي لأهل الدار ، ونادراً ما كان البيت التلعفري يخلو من السرداب ( سـرباد ) ، الذي يبنى تحت غرف البيت ، يحفظون فيه المؤن ويلجؤون إليه هرباً من حـر الصيف اللاهب
وعادة ما كانت سقوف الغرف تبنى بأسلوب العقدة ( عاقط آگـمه ) والتي تشبه الكرة بمهارة فائقة ، إذ يتم البناء فوق الجدران الاربعة بإمالة البناء الى الداخل والاعلى ، ثم على شكل حلقات متتالية تنتهي في مركز الغرفة العلوي ، ويدلّى ( جنگال ) من اعلى السقف لتعليق الحاجيات فيما بعد
هناك نوع آخر من الغرف اختص بها الشيوخ والوجهاء والاثرياء وهو الـ ( اوده ) وهي غرفة كبيرة المساحة بمنزلة الديوانية او مجلس عشائري مصغر للمحلة الواحدة يتداولون فيها امور حياتهم اليومية ويحلون قضاياهم ومشاكلهم بالاضافة الى تسامرهم فيها ليلاً ، وغالباً ما كانت الـ ( اوده ) تفتح ابوابها لإستقبال المعزين من مناطق تلعفر المختلفة عند حدوث حالة وفاة في اية اسرة من المحلة اذا كان بيتها صغيراً لا يتسع لجموع المعزين
كما تميز البيت التلعفري بوجود ما يعرف بـ الـ ( خشم او خشيم ) ، وهو فراغٍ يُترك بين السطح وسقف الغرفة من جهة الايوان ، كان يستخدم لخزن الحنطة والشعير ، وله فتحتان دائريتان صغيرة واحدة في السطح كي يتم املاؤه بواسطتها ، اما الفتحة الاخرى فكانت عند اسفل الايوان او الحوش حتى يتم سحب الحنطة منها عند الحاجة ، وربما استخدم الـ ( خشم ) لتربية الطيور فيكون عتدئذِ له باب واحد مستطيل الشكل يطل على حوش الدار او يستخدم مثلاً لحفظ وقود التنور
ملحقات البيت
لم يكن المطبخ في البيت التلعفري بمفهومه المعاصر الآن ، فربّة البيت كان بوسعها الطبخ في اي مكان تراه مناسباً في باحة الدار او تحت الدرج او اي مكان آخر ، وغالباً ما كانت تختار ركناً بعيداً في احد اركان الحوش لا تصله اشعة الشمس ، وكانت تستخدم الـ ( اوجاغ ) للطبخ وهو موقد طيني له ثلاثة ركائز ويسجـّر ناره بالحطب او البعرور او اي شيء فائض عن الحاجة قابل للإشتعال بعد اضافة كمية من النفط إليه
اما الحمّام فلم يكن اكثر من زاوية ضيقة في احد اطراف الدار يبنيه الموسرون فقط ، اما غير الموسرين فكانوا يتوجهون الى حمام المدينة الوحيد لغرض الاستحمام ، كذلك الحال بالنسبة للمرافق الصحية التي عرفها التلعفريون في زمن متأخر نسبياً ، ولم يكن من المستغرب قضاء التلعفري حاجته على الطريق العام او في ركن منه ، اما النساء فكن يخرجن ليلاً الى اماكن خارج المدينة لقضاء الحاجة بعيداً عن الانظار والعيون

سـطح البيت
احتل سطح الدار اهتماماً ملحوظاً من سكان تلعفر وخاصة في مواسم الصيف حيث سهراتهم الاسرية ومتنفسهم السياحي في ايام الحر ، كما كانوا يفضلون تناول طعام العشاء فيه ، ويتوج كل ذلك نوم هانئ تلقى فيه اعياء الحياة ومشاكلها جانباً ، وهو تقليد درج عليه معظم سكان العراق
وكان استخدام الاسطح المقببة للغرف من اجل اغراض مناخية وانشائية ونفسية ، فهي تحد من الحرارة المتسربة داخل المباني بسبب الفراغات الداخلية الكبيرة وتسمح للهواء بالحركة بحرية ضمن الفراغ الكبير في المباني الامر الذي يلطف الجو الحار صيفاً ، وتخفف الضغط والثقل على الجدران الجانبية وتزيد من تماسكها ، اضافة الى جماليتها وشكلها المريح
ولتجنب ركود مياه الامطار وتجمعها على الاسطح ، كانت توضع المزاريب ( مارزب ) المصنوعة من الصفيح او التنك لتصريف هذه المياه إما الى فناء الدار الداخلي او الطريق الخارجي العام
لم يعرف اجدادنا البيت ذا الطابقين وربما كانت الاعراف والتقاليد احد اسباب عزوف التلعفريين عن بناء طبقة ثانية للبيت بإعتباره بذخاً واسرافاً ، او بسبب العامل الاقتصادي المتمثل بضيق يد الغالبية العظمى من السكان ، وقد استعاضوا عن الطابق الثاني بغرفة صغيرة او غرفتين في احدى زوايا السطح ( كوشك ) لخزن ما يفيض من اثاث البيت او لأغراض اخرى
كما تميز سطح البيت التلعفري الثاني ( كوشك ) بطراز يكاد يكون فريداً من نوعه يشبه البيتونة في الطراز المعماري الحديث وهو المعروف محلياً بـ ( دويز بورنو ) (*) ورثه البنّاء التلعفري من العهد العثماني وتمتاز به البيوت القديمة في السراي وآسكى حسنكوي وقسم من محلة الصو ، وبواسطته يتم الاتصال بين السطح الاول وسطح الـ ( كوشك )
عادة ما تنتهي حواف السطح المطلة على المحلة بسياج حجري لا يتجاوز ارتفاعه - غالباً - المتر الواحد ، اما تلك الحواف المطلة على فناء الدار فتكون اقل ارتفاعاً وغالباً ما كان يصنع من الحديد ( شلمان ) ، وقد حرص التلعفريون على تخصيص مكان للأبريق او الشربة في هذا السياج على الدوام
الباب في البيت التلعفري القديم
كانت ابواب البيت التلعفري تصنع من مادة الخشب السميك سواءً باب البيت الخارجي ( حاوش قاپسى ) او ابواب الغرف الداخلية وفق الشكل الموجود في الصورة المنشورة ، فلم يعرف التلعفريون الابواب المصنوعة من الحديد حينها ، وينقش الباب الخارجي بمسامير كروية سوداء ، وحرص التلعفريون على تعليق ستارة ( پردة ) من قماش خلف الباب الخارجي مباشرة لحجب انظار المارة عندما يكون الباب مفتوحاً بإستمرار

وكان ابرز ما يميّز الباب الخارجي للبيت الدقّـاقـة وهي قطعة معدنية من الحديد على هيئة حلقة كانت تثبّت في الجزء العلوي من الباب الخارجي على قاعدة من صفيح حديدي كي يسمع صوتها اهل الدار عندما يطرق الباب طارق او ضيف او غريب ، اي ان الدقاقة كانت تقوم مقام الجرس في ايامنا الآن ، واغلب الابواب كان فيها نوعان من الدقاقة : كبيرة يستخدمها الرجال ، فيعرف اهل الدار من خلالها ان الزائر رجل ، فيقوم رب الدار او احد ابنائه بفتح الباب ، واخرى صغيرة يستخدمنها النسوة ، عندها تقوم ربّة المنزل او احدى بناتها بفتح الباب
والملاحظ على تصميم الابواب في تلك الفترة ايضاً انها تكون على شكل قوس من الاعلى ، لأن القدماء من اهالي مدينتنا كانت تربطهم علاقات تجارية واجتماعية متينة مع البدو ، وهؤلاء البدو كانوا يستخدمون الجمال في تنقلاتهم ، فجُعلت الابواب مقوسة من الاعلى لكي يسهل دخول الجمال الى البيوت عند قدومهم
ومن مكملات الباب الخارجي عتبة الدار ، وهـي بناء مستطيل موضعه عند اسفل الباب الخارجي من جهة الخارج ويكون ملتصقاً بالارض ، اما وظيفة العتبة فإنها تمنع تسرب المياه من الخارج الى الدار
وعرف التلعفريون نوعاً آخر من الابواب يمكن تسميته بالباب الموسمي او الثانوي اذ كان استخدامه مقتصراً على فصل الشتاء فقط ، كانت مادة الباب الرئيسية هي قطعة سميكة من المطاط ( النايلون ) تغطي الجزء العلوي من الباب ، اما الجزء السفلي فكان يغطّى غالباً بخشب الساج ( فيبر ) او المعاكس ، مع اطار خشبي من جوانبه الاربعة ومن منتصف الجزء العلوي ايضا ، وكان يثبت امام باب الغرفة الرئيسي ويتصل به عبر سلك حلزوني ( سبرنك ) مما يؤدي الى انسداده تلقائياً بعد فتحه مباشرة ، والغاية من ذلك هو الاحتفاظ بدرجة حرارة كافية لتدفئة الغرفة
ولأن باب الدار الخارجي هو المدخل الاساس للبيت الذي يجلب إليه السعادة او التعاسة معاً ، فقد انتبه التلعفريون الى خطورته وفق منظورهم الشعبي المتوارث الذي كان وما زال يميل الى الخرافة وطرد الحسد والارواح الشريرة ، فتراهم قد علّقوا في مقدمة أبواب بيوتهم الخارجية تمائم ذات احجام وهيئات مختلفة ، أو خرزاً معدنية أو قرون حيوانات أو حذاءً او نعلاً قديماً
وتمتاز بيوت التلعفريين من الخارج بتلاصقها وضيق افرعها وطرقاتها الداخلية ، كما ان في وسع المرء ان يرى القناطر الجميلة بوضوح ، والقنطرة ( قنطرمه ) هي البناء الذي يربط بين بيتين متقابلين من الاعلى ، وتكون لها شبابيك تطل على الطريق العام ، وقد استخدم لأغراض مختلفة منها سهولة الانتقال بين البيتين دون الاضطرار الى الخروج منهما ، كذلك اعتبرت غرفة اضافية من ملحقات البيت مما يتيح التفرج على الطريق العام وخاصة النساء ، كما كانت اماكن استراحة مثالية ومضيفاً لسكان المحلة اضافة الى فائدتها في التخفيف من حر الصيف وبرد الشتاء
لكن اهم ميزة للقنطرة في محلات تلعفر القديمة هي استخدامها اداة للرصد والمراقبة خشية من هجوم مفاجئ على المحلة من قبل الاغراب او من المحلات الاخرى يوم ان كانت الصراعات العشائرية والمحلية قائمة بين اهاليها لأسباب مختلفة
____________________________________
(*) معناها الحرفي ( انف الخنزير ) ولم استطع الوصول الى سبب هذه التسمية الغريبة







Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  ابو عمار الكاتب

1 - اسماء تلعفر عبر التاريخ
2 - المدرسة الابتدائية العثمانية الاولى في تلعفر
3 - قائـممقامية قضـاء تلعفـر :
4 - بسـاتين تلعفـر
5 - لغة سكان تلعفـر
6 - محلـة السـراي في تلعفر :
7 - مسـاهمة التلعفـريين فـي الحـروب الصليبية
8 - من تقاليدنا الجميلة: الچومچله
9 - الماء والكهرباء في تلعفر
10 - طقـوس العيـد فـي تلعفـر ايام زمـان
11 - التصوير الفوتوغرافي في تلعفر :
12 - النخـيل فـي تلعـفر :
13 - سـياسـة التتريـك وأثـرها فـي مجتمـع تـلعفـر- الجزء الاول