Turkish Arabic
 
2019-12-25   Arkad‏‎na gِnder
258 (142)


بعض الظن


محمد هاشم الصالحي

بعد الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003 بدأت إدارة الاحتلال الامريكي بدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين بالدولار الامريكي. الدولارات المدفوعة للموظفين والمتقاعدين كانت من فئة الورقة ذات الدولار الواحد. المشكلة ان العاملون في السوق ومكاتب الصيرفة عامة وفي عموم العراق لا يحبذون التعامل بفئة الدولار الواحد ويطلبون فئة 100 دولار. لا ادري ما السبب الحقيقي لذلك، الا ان فئة 100 دولار هي الرائجة في السوق والمطلوبة في التعاملات المصرفية وعلى العكس من التعامل المالي في كل انحاء العالم. فاذا كانت لديك 100 دولار من فئة الدولار الواحد فان السوق لا يتعامل معك واذا تعامل فإنهم سوف يقابلونه بـإنزال قيمته الى 70 دولار او على الاكثر 80 دولارا. ابي كان متقاعدا وامي كذلك، وهم يتقاضون رواتبهم على نفس الشاكلة اي بفئة الدولار الواحد.

في صيف عام 2004 كانت لي سفرة إلى انقرة عاصمة الجمهورية التركية ضمن وفد ادبي مشارك في احدى الفعاليات الادبية المقامة هناك. اخذت من ابي 100 دولار ومن أمي 100 دولار من فئة الدولار الواحد لغرض صرفه في تركيا التي لا تعير بورصتها أهمية لموضوع الدولار الواحد او المئة دولار. فالدولار عندهم هو دولار سواء أكان بفئة واحد دولار ام مئة دولار.

بطبيعة الحال فإنني أصبحت أحمل في جيبي شدتين في كل شدة مئة ورقة من الدولارات بفئة 1 دولار ومجموعها 200 دولار فقط ليس الاّ.

بعد أيام من تواجدنا في تركيا أحسست بأن تعامل بعض الزملاء من أعضاء الوفد معي ليس بالطبيعي. أنا اجهل السبب لكنني أصبحت قلقاً حقا في أن أكون قد اخطأت بحق أحدهم دون قصد، فجلّ الذي لا يخطأ. لا احد يوضح لي الأمر وبقيت لأيام أحدث نفسي والأمر زادني توتراً. أصبحت أسال المقربين إليّ عن السبب الذي دفع بأصدقائي لان يتعاملوا معي بهذه القسوة ويصدون عني كل هذا، وهم زملاء وأعزاء على قلبي وتربطني بهم روابط قوية مسبقاً. لم يسعفني أحد منهم الاً بعد أن عطف عليّ في ذلك الأديب الراحل الأستاذ قحطان الهرمزي رحمه الله. حيث كنا في إحدى الحدائق وسحبني المرحوم إلى الجنب وقال لي أنت كاتب واديب وخطاط وأنا أعلم بقدراتك الأدبية والفنية ونتاجاتك تشهد لك بذلك، إضافة إلى أخلاقك الحميدة. شكرته على كلماته وطلبت منه سبباً لما يحدث. قال لي لقد شوهدت وانت تحمل في جيبك دفترين، والدفتر لدى العراقيين تستخدم للدلالة على 10 الف دولار، اي 100 ورقة من فئة 100 دولار. سألته أين الدفترين؟ فرد قائلاً أن هناك من شاهدك وقد أخبر الجميع بأنك تحمل في جيبك دفترين، أي 20 الف دولار أمريكي. وماذا في ذلك إذا كنت أملك 20 الف دولارا؟ قال لي من أين لك هذا؟ وهم يتسألون عن الجهة التي دفعت لك كل هذا المبلغ؟ ومقابل أي عمل قمت به لتلك الجهة التي دفعت هذه الاموال؟.

ابتسمت شفتاي وجوفي ينزف دما. هول ما سمعته كان كبيراً وكان له وقعته الأليمة في نفسي، فقد فكرت في كل شيء الاّ اتهاما بهذه البشاعة ومن المقربين اليّ. فأصدقائي يتهمونني بأبشع إتهام وأنا لم أرتكب جرماً.

بعد دقائق صمت والالم يعتصر قلبي، مددت يدي وأخرجت له الدفترين من جيبي. هذه هي الدفترين يا استاذي عدها بنفسك، إنها من فئة الدولار الواحد ومجموع ما جئت به هو 200 دولار فقط وقد اشتريت لأطفالي بعض الحاجيات وأكلت بعض الشيء من الطعام، وما تبقى لديّ في حدود 130دولارا فقط عدها بنفسك! فأي 20 الف دولار الذي تتحدثون عنه؟ وأي جهة هذه التي قامت بتسخيري لعمل ما ودفعت لي الأموال؟ وهل هذا الأمر يليق بي؟ وكأن الجميع ملاك وانا شيطان؟.

صدم الاستاذ الهرمزي بقدر ما كنت أنا مصدوما، ومد يده وسحبني من رأسي وقبلني وضمني. قال انت بعمر ابني وانت تحمل في جيبك اقل مما نحمله نحن جميعاً، لكن خبث البعض دفع بهم الى هذا الظن السيء. جلسنا انا والاستاذ في المكان الذي كنا نتحاور فيه في تلك الحديقة، ونحن نلعن كل الذين يدعون الى الشقاق والنفاق وإتهام الاخرين من دون وجه حق ودون بيّنة ويبيعون المقربين اليهم بثمن بخس ولمجرد ظن سيء بسوء اخلاقهم. وآخر ما قلته للمرحوم الهرمزي، إني أفوض أمري إلى الله وحسبي الله ونعم الوكيل.


Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  محمد هاشم الصالحي

1 - ساري العبد الله
2 - حيــاة متقـــاعد
3 - دعـــاء
4 - لمطلوب إثبــاته
5 - تـدرج وظيـفي
6 - الخـير يخـص والشـر يعـم
7 - وزيــر تركمــاني
8 - خارج اسوار المقبرة
9 - العـم مهـدي عسـكر
10 - متين عبد الله وحكاياته المدرسية
11 - بنزين عـادي بنزين محــسن
12 - الـوطن للرئيــس ولأبنــاء الرئيــس
13 - من كان يعــبد محــمداً..
14 - نفــط العــرب للعــرب
15 - انتحــار ســـياسي
16 - ندوة لتطوير الفن التركماني
17 - نومــا هانئـا للجمــيع
18 - خريج مريج..
19 - لكل من ينشر صور الاطعمة مع التحية
20 - انـا وطيــور الحـــب
21 - الســيد الـرئيـــس
22 - التجــدد في التغــــيير
23 - مهرجان المسرح التركماني الثالث
24 - المواقف مرأة الوطنية والقومية
25 - انتخابات ابو المطعم الحرة والنزيهة
26 - أنا و أبي و لعــبة الشــطرنج
27 - ذكرى مجزرة التون كوبرو والانتقادات
28 - سأفتقد صديقا عزيزا
29 - مناهج دراسية مفبركة
30 - المهندس المعماري انور زين العابدين بياتلى.. الراحل بصمت
>>التالي >>