Turkish Arabic
 
2019-12-02   Arkad‏‎na gِnder
133 (85)


الـوطن للرئيــس ولأبنــاء الرئيــس


محمد هاشم الصالحي

منذ الصباح الباكر وفي ساحة العرضات في مركز تدريب السليمانية الاساسي في منطقة واقعة بين سنجار وبعاج قرب الحدود العراقية السورية، حيث كان البرد قارصا للغاية. يأمرنا جندي برتبة نائب عريف وهو جندي امي لا يقرأ ولا يكتب بنزع التجهيزات. الكل ينزع ما عليه وتصبح اجسادنا ملامسة للهواء البارد مباشرة. خريج الهندسة والآداب والعلوم وغيرهم يمتثلون لأوامر العريف (استعد استريح، الى اليمين در الى اليسار در)، الكل ينفذ حتى يرضى نائب العريف هذا. رغم انصياعنا للأوامر، الا ان نائب العريف هذا غير راض احيانا ويأمرنا فيما بعد بالزحف على جلود بطوننا.

الحال على ما هو عليه بعد ان نقلنا الى مدرسة الشؤون الادارية في منطقة اليوسفية جنوب بغداد. نتنقل من الشمال الى الجنوب وننساق كالخرفان في سبيل الوطن. الواجبات لساعات طويلة في العراء والمسؤوليات والسلاح الثقيل الذين نحمله والذي يثقل كاهلنا للغاية. الجوع كان صعبا جدا ونحن نبحث في الزوايا عن قطعة خبز متعفن يسد رمقنا. الكرامة وضعت تحت الخف والحسرة الى الاهل والاحبة والشوق الى البخار المتصاعد من قدور امي وهي تطهي الطعام وتلك الروائح المنبعثة منها والتي ترد الروح. كل هذه الامور كانت ملازمة لنا ليل نهار ونحن نخدم الوطن.

انتهت هذه الخدمة ولنبدأ هذه المرة بالحياة العملية ونحن نحمل الشهادة الجامعية، ليفاجئنا الوطن بانه وان كان وطننا فانه ليس لنا. الوطن يرفض تشغيلنا ويرفض حتى حقنا في العيش كبشر. رفض الوطن منحي فرصة عمل لكونني تركماني القومية. ولم يرفضني هذا الوطن عندما كنت تركمانيا صلخا في ساعات الصباح منفذا اوامر نائب العريف. لم يرفضني الوطن في الواجبات كما يرفضني اليوم في الحقوق. من المؤكدان هناك خطأ ما يجب تشخيصه. حتى تيقنت فيما بعد ان فهمنا لمفهوم الوطن كان خاطئا من الاساس وقد خدعنا بالشعارات الملونة.

تيقنت ان معنى كلمة الوطن في الحقيقة تعني السيد الرئيس وابناء الرئيس. الوطن هو الرئيس واقرباء الرئيس والمحسوبين على عائلة الرئيس. كنت انام في الجبال لينعم الرئيس وابناء الرئيس في غرفة دافئة. كنت اسهر الليالي حاملا السلاح في الواجب لاحمي ابن الرئيس عندما كان يضاجع الحسناوات. كنت اكل الطعام البارد المتعفن مع الفئران ليأكل الرئيس وزوجات الرئيس الطعام الفاخر والابخرة تتصاعد من عليه. كل ساعة حراسة كنت قد اديتها وانا عسكري كان امام باب غرفة الرئيس حتى ينتهي الرئيس من امره. كنت احمي ابن الرئيس وهو يستقل سيارته الفارهة، وما حرمنا الا ليتمتع ابن الرئيس. كنت ازحف فوق الرمال والحصى وانا مجرد من الثياب، لينام ابن الرئيس على اسرة افرشها من ريش النعام.

فهمت ان الوطن هو الرئيس وابناء الرئيس وزوجات الرئيس. فهمت انني ما خدمت العسكرية الا ليعيش الرئيس مترفا وليتنعم بما اوتي من النعم. يقطع عنا الكهرباء ليزود بها الرئيس، وليس هناك بنزين للسيارات، وخزائن وقود ابن الرئيس ملآى. الشباب لا يجد عملا، واقرباء الرئيس يملكون مال قارون. الغالبية دون خط الفقر والرئيس واقرباء الرئيس من اغنياء العالم.

ثم هرب الرئيس وجاء اعداء الرئيس ليصبحوا اليوم هم الوطن الجديد ونحن نفديهم بالروح وبالدم. اضمحل الحال وقد اصابنا الجفاف ليخضر الخضراء وينعم الخضراويين بماء المطر.

كما ان الملك لله كذلك فان الوطن للرئيس، فكل شيء من اجل الرئيس وابناء الرئيس.


Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  محمد هاشم الصالحي

31 - يكتبون لنا التاريخ ويرسمون لنا الجغرافيا
32 - عراق موحد
33 - وكم منزلا في الارض يألفه الفتى
34 - حكاية تركمانية تبكي الحجر قبل البشر
35 - سفينة السلام تبحر ومن عليها يهتف للجلاد والتركمان يقتلون في التون كوبرو
36 - استثمار الجهل
37 - هل جزاء الاحسان الا الاحسان؟
38 - صراع الوجود القومي التركماني والتيارات المذهبية
39 - وزارة للتركمان منصب قومي وليس ديني مذهبي
40 - 24 كانون الثالني 1970 والحقوق الثقافية التركمانية.
41 - مجتمع باحث عن الظاهر وليس الباطن
42 - وقد صدق الخباز.. بالعافية علينا العجين.
43 - يا لهذه الدنيا الدنيئة..
44 - ياوز فائق من خشبة المسرح الى فراش المرض
45 - الكاتب الراحل محمد خورشيد الداقوقي (1932-2011) وتبدد حلم إنشاء مكتبة وطنية تركمانية عامة
46 - الشق الثاني من الاسم
47 - المسالة اكبر يا أمي..
48 - ازمات العراق
49 - مواطن درجة ثانية..
50 - ركعتين صلاة الشكر بعد كل فريضة اصبحت واجبة
51 - الكتابة بإخفاء الشخصية والاسماء المستعارة
52 - شكرا النائب ارشد الصالحي.. وهنيئا لشعبك فهكذا تكون القيادة.
53 - المنفيست.. كلمة لا تقتصر على السيارات فقط
54 - وزارة التربية العراقية وتجربة الاحيائي والتطبيقي
55 - التون كوبرو.. في حدقات عيون الباحث اشرف اوروج
56 - مجموعة توركمن ايلى للمسرح وابداع مسرحي جديد في كركوك
57 - العلامة الراحل عطا ترزى باشى الانسان الزاهد في محراب الادب
58 - الوضع العراقي ولعبة الدومينة
59 - كاد المعلم أن يكون رسولا... إذا صان الأمانة.
60 - حكاية عـــباس الجــامجـــي
>>التالي >> <<السابق <<