Turkish Arabic
 
2019-10-24   Arkad‏‎na gِnder
364 (184)


دللي سبيح .... جنون من نوع اخر


جمهور كركوكلي


لم يحظى مجنون في كركوك بالحب والاهتمام ، مثلما حظيت بهما المرأة المخبولة ( دللي سبيح ) في منصرمات من العقود الأربعة الماضية ، لقد عمرّت طويلاً قبل ان تصدمها سيارة ، فلزمت فراش المرض لحين من الوقت ، ثم عادت الى سابق عهدها في مزاولة طقوسها اليومية بالتجوال في أسواق المدينة ، تلتحف عبائتها السوداء ، وتنفث دخان سيكارتها التي كانت لا تفارق شفتيها ، وتمشي الهوينا وسط السوق غير ابهة بتعليقات المارة اللاذعة، حيناً، والاعجابية أحياناً أخرى ، واذا ما استفزها احدهم بقول جارح او بكلمة نابية، اجابته ( بعفطة) قوية وطويلة ، هي بمثابة جرس الاحتجاج والرفض، ثم تمضي غير مكترثة بالعواقب لانها تدرك ان الكل معجبون بها وان بعضهم يتقصد اثارتها كي ينتزع منها ( عفطتها ) الشهيرة التي غدت علامتها الفارقة التي تميزها عن باقي مجانين كركوك.!
كان حضورها بين المارة والمتبضعين في السوق الكبير وسوق القورية ، يضفي على المكان مزيداً من السرور والنشوة ، فهي مادة للتفكهه ، ومستجلبة للنكتة الذكية التي أحياناً تتخطى حدود العيب والخجل ، فدللي سبيح تقول ما نشتهي قوله لكننا نخاف أن نقوله لاعتبارات مراعاة الزمان والمكان ، والعُرف والتقاليد ،فهذه الفئة من البشر التي صنفها الناس بخانة الجنون ، ليست لديهم خطوط حٌمر تحّدُ من سلوكياتهم ،فهم دون غيرهم يُباح لهم التطاول وسلاطة اللسان وإرتكاب المحظور من القول والفعل .!
في ضحى كل يوم ، كانت دللي سبيح ،تذرع السوق بخطوات بطيئة ، وتتقصد المشي وسط السوق ، ربما بداع المباهاة والأعتزاز بالنفس ( فالمجنون يعتد بعقله ويعتبر الاخرين مجانين ) تقبض براحة يدها على ( لفة ) سيكائر محلية الصنع تسمى عندنا ب ( عربي جيغارسي ) او الجكاير المزّبن ، ولا تستعمل القداحة الا مع سيكارتها الأولى ثم تُشعل الواحدة بالاخرى ، الى أن ينفذ ما عندها ، لتعود تأخذ لفة أخرى من غيرأن تدفع الثمن ، فهي الاثيرة عند اهل السوق والمحبوبة الى نفوسهم ، تأخذ ما تشاء دون أن يمنعها أحد ، واذا ما أحست بالتعب القت بنفسها عند أقرب واجهة محل لتأخذ قسطاً من الراحة وأحياناً تغط بقيلولة بسيطة غير مبالية بالمارة ، لانها تعلم أنها أنثى، وان للانثى حرمتها عند اهل كركوك ، وأن الانوثة في نظرهم ضعف ، والجنون ضعف اخر ، واذا أجتمع الضعفان ، كانت الحرمة أكثر .!
وقيل أن بعض الأماكن تقسو على المجنون أكثر من غيرها ، وأن بعض المدن تعاقب مجانينها بضراوة ، فتُجنن العاقلَ ، وتزيد المجنون جنوناً، ولكن من حُسن حظنا نحن اهل كركوك ، أننا نعتز بمجانيننا ، ونعتبرهم جزءاً من المشاهد اليومية التي لا مناص من رؤيتها كل يوم ،واذا ما مات أحدهم ، نحزن لموته ، ونستذكر جنونه ، كما نستذكر اليوم ، المرحومة دللي سبيح ، ونستذكر عفطتها الشهيرة التي كانت تُطلقها كلما رأت شيئاً لا يشبه شيئا ، المقولة التي تحولت على لسان احد الممثلين الى لازمة كلامية يطلقها الكثير حين يرون عدم توافق الأشياء فيقولون ( شي ما يشبه شي ) .!


Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  جمهور كركوكلي

1 - العيد في ظل جائحة كورونا ...
2 - رمضان في ظل كورونا ... جوامع مؤصدة ، وطقوس مؤجّلة
3 - زمن الحظر وفيروس كورونا ... رُبّ ضارةٍ نافعة
4 - الكرنتينة من الطاعون الى كورونا المستجد ...
5 - مقهى المصلى بثوبه القشيب ....
6 - قاريء القران كيلان قصاب اوغلو ... وريث المدرسة الكركوكلية في التلاوة.
7 - في يوم الشهيد التركماني ... تتجّدد الذكرى وتُسنبط الدروس
8 - إنقضى عام .. وأقبل عام ...
9 - شب عروس .... ليلة اللقاء العظيم ....
10 - نداءات باعة السوق بين سجع الأمس وزعيق اليوم ...
11 - الشاعر المظلوم عثمان مظلوم ... شعر بنكهة الألم
12 - دمعةُ سالت على حاشية كتابٍ قديم ..
13 - شكرا ايتها الساحرة المستديرة ...
14 - في رحاب هجري ده ده
15 - شركة فضولي للطباعة والنشر ..تكامل مهني متميز... وصرح ثقافي بارز
16 - فاتنة قلعة كركوك ( مادلين ) المقتولة ظلماً ....
17 - قار ياغدي ومادلين .. قصص تراجيدية أنتهت بالموت
18 - مع قرب بدء العام الدراسي الجديد: إدارات المدارس التركمانية تفتح أبوابها لتسجيل التلاميذ الجدد
19 - حين يحب الانسان سعادة الاخرين ... أحسان نموذجاً
20 - 50 عاماً على هبوط الأنسان على القمر: كركوك.. ورحلة ابولو 11
21 - في 7 تموز 1970 دماء على سفح القلعة ....
22 - أوقفوا هواة الكلام الهابط واللحن الرخيص ...
23 - احتراما لمشاعر الاخرين لا تنشروا صور موائدكم على الملأ
24 - مائدة الإفطار عند بعض الصائمين ...
25 - أيقونة المسرح التركماني ... تنبل عباس
26 - بنت الحتّة .. فتاة أحلام مشاهدي تلفزيون كركوك
27 - احتدام الصراع بين الطربوش والسدارة في كركوك
28 - حادثة عبّارة الموصل مالم يذكرهُ التقرير ..
29 - حادثةُ كرايست چيرش .. والقادمُ أدهىٰ وأمّر
30 - الحُوذّيُ الشَرِس ... بوبي
>>التالي >>