Turkish Arabic
 
2019-06-12   Arkad‏‎na gِnder
255 (95)


لكل من ينشر صور الاطعمة مع التحية


محمد هاشم الصالحي

ملاحظة: اشهد الله ان القصة مستوحاة من الحقيقية.

مع صديق مقرب لي نسير الى احدى المطاعم الشعبية بظاهرها والفخمة بأكلاتها لتناول الغذاء. على بعد ما يقارب 100 متر من المطعم صادفنا ولدا بحدود العاشرة من عمره يجلس على قارعة الطريق ويفرش الارض بقماش صغير يبع عليها مناديل ورقية واقلام واشياء بسيطة اخرى وبيده هاتف صغير بسيط من الموديلات الاولى (الصرصر).

انا وصديقي تأثرنا لحاله وهو يجلس في هذا الحر الشديد يبيع اشياء حتى وان ربح منها فكم سيكون ربحه هذا، لكنه بالتأكيد له مأساة يعانيها اكبر مما نتخيل. اقترح صديقي ان نأتي له بطعام من المطعم الذي نحن نقصده. وانا اقترحت بان نأخذه معنا الى المطعم ليأكل معنا وان يطلب ما يريد في جو اخف حرارة من لهيب الشارع.

دنونا منه وتحدثنا اليه وعرضنا عليه رغبتنا في ان يأكل معنا في المطعم. تردد في البدء الا ان الحاح صديقي جعله يتبعنا الى المطعم. جلس على طاولة بجانبنا والمسافة قريبة بيننا. نادينا العامل ليسال الطفل عن الذي يريد تناوله الا ان الطفل هذا لا يعرف ما يطلب وهو خجل جدا وينظر الينا باستحياء شديد واضح على وجنتيه. تردده هذا جعلنا نطلب له ما طلبنا لأنفسنا تماما دون نقصان.

جاء الطعام وقد تناول هذا الطفل ايضا الا انه لم يكمل كل الطعام الذي كان زائدا على معدته الصغيرة. قلنا له اكمل الطعام فقال انه قد اكتفى وقد شبع تماما وشكرنا على هذا. ونحن نشرب الشاي رن هاتفه الصغير واذا هو يتحدث مع امه والتي يبدو انها تساله فيما اذا كان قد اكل شيئا ام لا. الولد اجاب امه ليقول لها (اي يوم اكلت لفة فـلافــل).

استغربنا نحن الاثنين.. بعد كل هذا الاكل الدسم يقول لقد اكلت لفة فلافل. كيف له ان يكذب وينكر الجميل؟ انه امر ناكر للمعروف.

سارع صديقي وسأله، لماذا لم تخبر امك بما اكلت وقلت لها انك قد اكلت لفة فلافل؟

هذا الصغير لم يرد على التساؤل سوى بابتسامة خفيفة كأنها مصطنعة ونهض بعد ان اكمل شرب الشاي واقترب منا قائلا (الله يزيدكم عمي) ويبتعد بعد ذلك خارجا من المطعم الى محل عمله.

تذمر صديقي الذي امتعض مما قاله الولد الصغير وشــقّ عليه الامر. قمنا لندفع الحساب وللحق اقول ان صاحب المطعم رفض ان يأخذ حساب الولد لكي يساهم في الخير الا اننا ابينا الا الدفع.

ونحن خارجون من المطعم مررنا بالولد الذي كان يجلس في نفس مكانه. اصر صديقي ليساله عن سبب ما قاله لامه. اقترب وسأله، لماذا قلت لامك انك اكلت الفلافل هذا كذب وهذا عيب. عليك ان لا تكذب وخاصة على امك.

الولد الصغير اضطر الدفاع عن نفسه قال انا لا اكذب.. الا ان عائلتي في حالة صعبة ولا نملك ما ناكل حتى اننا لا ناكل احيانا. فاذا قلت لأمي انني اكلت اللحم المشوي مع الخبز الحار وهذا الرز واللبن الطري فإن نفسها سوف تشتهي ذلك ونحن ليس بمقدورنا شراء اللحم. لهذا فضلت ان لا تشتهي امي واختي التي قد تسمعني وانا اتحدث اليها. فضلت ان اقول لها انني اكلت الفلافل كعادتي كل يوم.. ليس الا.

جواب كالصاعقة لي ولصديقي.. لم نتمالك انفسنا.. لا ندري ما نقول. ضم صديقي هذا الصبي على صدره وقبله وبدأت عيناه تدمع. ابتعدنا من المكان وكأننا نريد الهروب من هذا الولد. نحن لا ننظر في اعين بعضنا خجلا من اتهامنا له بالكذب دون تقدير الموقف. كان الوضع اصعب من ان اصوره في مقال قصير كهذا وبضعفي في التعبير، اننا ركبنا سيارتنا وما زلنا لا نتحدث لهول ما سمعنا وبقينا نلازم الصمت المطبق.

عندها تذكرت كل الاخوة الذين ينشرون صور ما يأكلون ويتباهون بمأكلهم ومشربهم امام الملأ، دون مراعاة من لا يملك رغيفا يسد به رمقه. ولا حول ولا قوة الا بالله.


Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  محمد هاشم الصالحي

1 - نفــط العــرب للعــرب
2 - انتحــار ســـياسي
3 - ندوة لتطوير الفن التركماني
4 - نومــا هانئـا للجمــيع
5 - خريج مريج..
6 - انـا وطيــور الحـــب
7 - الســيد الـرئيـــس
8 - التجــدد في التغــــيير
9 - مهرجان المسرح التركماني الثالث
10 - المواقف مرأة الوطنية والقومية
11 - انتخابات ابو المطعم الحرة والنزيهة
12 - أنا و أبي و لعــبة الشــطرنج
13 - ذكرى مجزرة التون كوبرو والانتقادات
14 - سأفتقد صديقا عزيزا
15 - مناهج دراسية مفبركة
16 - المهندس المعماري انور زين العابدين بياتلى.. الراحل بصمت
17 - ايــام الحصـــار
18 - طاقة كامنة
19 - يوم الخميس.. علاء الدين سينما الاطفال خيرية حبيب خمائل
20 - شــريط احصــائي
21 - بعد عشرين عاما امنت بنظرية داود.. عمي دخن وهي تصف
22 - مفهوم الحزب كما افهمه انا
23 - شعب ينتظر عمل ولا ينتظر صور
24 - مطلوب لص
25 - التركمان بين المركز والاقليم
26 - يكتبون لنا التاريخ ويرسمون لنا الجغرافيا
27 - عراق موحد
28 - وكم منزلا في الارض يألفه الفتى
29 - حكاية تركمانية تبكي الحجر قبل البشر
30 - سفينة السلام تبحر ومن عليها يهتف للجلاد والتركمان يقتلون في التون كوبرو
>>التالي >>