Turkish Arabic
 
2018-08-01   Arkad‏‎na gِnder
896 (416)


مَنْ يفعل ما فَعَلهُ خيرالدين ؟...


جمهور كركوكلي


مِن بين الكثير مِنَ العادات المفيدة والأيجابية التي كانت سائدةً في زمنِ الأمس الجميل ، وأندثرتْ اليوم ، أو شَحّتْ ، بفعل التغيرات التي طرأت على نَمطِ حياة مُجتمعِ اليوم ، هي عادة تشجيع الأطفال على إدخار جزءٍ من مصروفاتهم اليومية ، ووضعه في ( الدخل ) وهو عبارة عن كوزٍ بيضوي الشكل ، به ثُقب من الأعلى ، يضع الطفلُ من خلاله النقودَ المعدنية ، لغرض الادخار وجَمْعِ النقود ، ليجده بعد مدةٍ قد أمتلأ بالقطع النقدية التي تجعل منه ثرياً بمقاييس الطفولة.
وكانَ ( الدخل ) وسيلةً التفاعل الأولي بين الطفل وبين عالم الادّخار ، وقد ألِفَهُ الجيلُ السابق ، ولم يكن ْ يَخلو منه بيتً ، بأشكاله البسيطة المصنوعة من الفخار او ماكان يُستعاض عنه بِعُلب المعجونِ أو الحليب المجّفف ، الفارغة ،. ومِن ثُم، وبمرور الزمن، تنوّعت هذه الأشكال لتكونَ عصريةً . ورغم ذلك بقي هدفُ ( الدخل ) واحداً، وهو تعويد الأطفال على الادّخار وتقدير قيمة المال . وكان الطفل يكتسب هذه العادة تلقائياً ومن دونِ إدراكٍ منه ، معتقداً بأنه يلعب .!
وقدْ تفنّنت الأم الكركوكلية قديماً ، بِحُكم خِبرتها الحياتية ، وموروثها الثقافي ، في تبّني مفهومَ الادخار ، ولقتّنه لابنائِها ، لمراعاة الحدِ الأدنى من الجانبِ الاستهلاكي في حياةِ الاسرة والتقليل من الكماليات التي يُمكن الاستغناء عنها ، وقد أدركتْ تِلك الأم الرائعةُ معنى أن ( القرش الأبيض ينفعُ في اليوم الأسود ) والذي يعني بمفهومه المُبسّط ، التأهب المُسبق لِما قد يحدث في المستقبل الذي لا يبدو غالباً ، واضحَ المَعالم ، لذلك فثمة فرق واسع ، وبَوْن شاسع ، بين الطفل اليوم ( المُسرف) الذي يتباهي بين أقرانه ، باقتناء أحدث موديلات الموبايل واغلاها ثمناً ، وبين طفلِ الأمس (المُقتصد ) الذي كانَ يقتطعُ جزأً من مصروفه اليومي ويدّخره ب ( الدخل ) ليحتفل به بعد أمتلائه ، ويصرف مدخراته في شراء حقيبته المدرسية ، او كسوةً يلبسها في العيد ، او دراجةً هوائية ، يقضي بها حاجته ويلهو بها مع اصدقائه في وقت فراغه.
ومادام الحديثُ يدور حول الادّخار واهميته في الحياة ، فلا بأس من ذِكر قصة ذلك البقال الفقير ، الذي عاش في القرن الثامن عشر بمنطقة ( فاتح ) بمدينة إسطنبول ، واسمه ( خير الدين كچچي زاده ) كان يتمنى بناءَ جامعٍ قُربةً لله تعالى ، ولكن مِن أينَ له ذلك ، وهو الفقير المُعدَم ، وبناءُ جامع يتطلب مبلغاً كبيراً مِن المال.؟
فكّر الرجل في طريقةٍ يستطيع بها ، تحقيقَ حُلمه ، فقرّر أن يخوضَ حرباً ًمع غرائزه النفسية ، فكان حينما تتوقُ نفسُه لشراء فاكهةٍ او لحم او حلوى ، يقول لنفسه ( صناكي يدم ) ومعناها بالعربية ( كأني أكلت ) ثم يحفظ ثمن تلك الفاكهة او اللحم او الحلوى في صندوقٍ خاص.
وظّل خير الدين على تلك الحال ، لسنواتٍ عديدة ، وازدادت نقودُه شيئاً فشيئا ً، حتى أستطاع في النهاية ، تحقيق حُلمه وبناء جامعه ، الذي مازال قائماً حتى يومنا هذا ، وينتصبُ ببنائه المتواضع ، بزقاق قرپاجيلار بمنطقة فاتح بأسطنبول ، ويحملُ إسمَ جامع ( صانكي يدم )، أي كأني أكلت ، وهو شاهدٌ حيّ على قصة إنسانٍ مكافحٍ مُقتصد أستطاع إيجاد طريقة غريبة وشاقة في الادّخار ، وبنى جامعه ذا الاسم الغريب ، كغرابةِ قصةِ صاحبه ، خير الدين كچچي زاده..!
ويَحِقُ لنا الآن أن نتساءل :
مَنْ يستطيع أن يفعل مثلما فعلَ خير الدين ؟ ...!


Arkad‏‎na gِnder



 كتابات  جمهور كركوكلي

1 - العيد في ظل جائحة كورونا ...
2 - رمضان في ظل كورونا ... جوامع مؤصدة ، وطقوس مؤجّلة
3 - زمن الحظر وفيروس كورونا ... رُبّ ضارةٍ نافعة
4 - الكرنتينة من الطاعون الى كورونا المستجد ...
5 - مقهى المصلى بثوبه القشيب ....
6 - قاريء القران كيلان قصاب اوغلو ... وريث المدرسة الكركوكلية في التلاوة.
7 - في يوم الشهيد التركماني ... تتجّدد الذكرى وتُسنبط الدروس
8 - إنقضى عام .. وأقبل عام ...
9 - شب عروس .... ليلة اللقاء العظيم ....
10 - نداءات باعة السوق بين سجع الأمس وزعيق اليوم ...
11 - الشاعر المظلوم عثمان مظلوم ... شعر بنكهة الألم
12 - دمعةُ سالت على حاشية كتابٍ قديم ..
13 - شكرا ايتها الساحرة المستديرة ...
14 - في رحاب هجري ده ده
15 - دللي سبيح .... جنون من نوع اخر
16 - شركة فضولي للطباعة والنشر ..تكامل مهني متميز... وصرح ثقافي بارز
17 - فاتنة قلعة كركوك ( مادلين ) المقتولة ظلماً ....
18 - قار ياغدي ومادلين .. قصص تراجيدية أنتهت بالموت
19 - مع قرب بدء العام الدراسي الجديد: إدارات المدارس التركمانية تفتح أبوابها لتسجيل التلاميذ الجدد
20 - حين يحب الانسان سعادة الاخرين ... أحسان نموذجاً
21 - 50 عاماً على هبوط الأنسان على القمر: كركوك.. ورحلة ابولو 11
22 - في 7 تموز 1970 دماء على سفح القلعة ....
23 - أوقفوا هواة الكلام الهابط واللحن الرخيص ...
24 - احتراما لمشاعر الاخرين لا تنشروا صور موائدكم على الملأ
25 - مائدة الإفطار عند بعض الصائمين ...
26 - أيقونة المسرح التركماني ... تنبل عباس
27 - بنت الحتّة .. فتاة أحلام مشاهدي تلفزيون كركوك
28 - احتدام الصراع بين الطربوش والسدارة في كركوك
29 - حادثة عبّارة الموصل مالم يذكرهُ التقرير ..
30 - حادثةُ كرايست چيرش .. والقادمُ أدهىٰ وأمّر
>>التالي >>